وفَّقت له مَن أنعمتَ عليه من أنبيائك وأهل طاعتك ، من السبيل والمنهاج .
فإن قال قائل : وأنَّى وَجدتَ الهدايةَ في كلام العرب بمعنى التَّوفيق ؟
قيل له : ذلك في كلامها أكثرُ وأظهر من أن يُحصى عددُ ما جاء عنهم في ذلك من الشواهد . فمن ذلك قول الشاعر :
لا تَحْرِمَنِّي هَدَاكَ الله مَسْألتِي . . . وَلا أكُونَنْ كمن أوْدَى به السَّفَرُ ( 1 )
يعنى به : وفَّقك الله لقضاء حاجتي . ومنه قول الآخر :
ولا تُعْجِلَنِّي هدَاَك المليكُ . . . فإنّ لكلِّ مَقامٍ مَقَالا ( 2 )
فمعلوم أنه إنما أراد : وفقك الله لإصابة الحق في أمري .
ومنه قول الله جل ثناؤه : ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) في غير آية من تنزيله . وقد عُلم بذلك ، أنه لم يَعْنِ أنه لا يُبيِّنُ للظالمين الواجبَ عليهم من فرائضه . وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه ، وقد عمَّ بالبيان جميع المكلَّفين من خلقه ؟ ولكنه عَنى جلّ وعزّ أنه لا يُوفِّقهم ، ولا يشرَحُ للحق والإيمان صدورَهم .
وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله : ( اهدِنا ) : زدْنا هدايةٍ .
وليس يخلُو هذا القولُ من أحد أمرين : إما أن يكون ظنَّ قائلُه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر بمسألة الزيادة في البيان ، أو الزيادةَ في المعونة والتوفيق .
فإن كان ظن أنه أُمِر بمسألة رَبِّه الزيادة في البيان ، فذلك ما لا وجه له ؛ لأن الله جلّ ثناؤه لا يكلِّف عبدًا فرضًا من فرائضه ، إلا بعد تبيينه له وإقامةِ الحجة عليه به . ولو كان مَعنى ذلك معنى مسألتِه البيانَ ، لكانَ قد أمِر أن يدعو ربَّه أن يبين له ما فَرض عليه ، وذلك من الدعاء خَلفٌ ( 3 ) ، لأنه لا يفرض فرضًا إلا مبيَّنًا
هامش
( 1 ) لم أعرف نسبة البيت ، وأخشى أن يكون من أبيات ودقة الأسدي يقولها لمعن بن زائدة . أمالي المرتضى 1 : 160 .
( 2 ) نسبه المفضل بن سلمة في الفاخر : 253 ، وقال : " أول من قال ذلك طرفة بن العبد ، في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند " ، وليس في ديوانه ، وانظر أمثال الميداني 2 : 125 .
( 3 ) أي رديء من القول . انظر ما سلف ص 165 رقم : 1 .