صَحِبَ اللهُ راكِبينَ إلى العزِّ . . . طريقاً مِن المَخَافة وَعْرا
شَرِبُوا المَوْتَ في الكرِيهَةِ حُلواً . . . خوفَ أن يشْرَبُوا من الضيمِ مُرَّا
هذا وإنَّ الدواعي تُحرِّك القُوى ، وإن القلوب ليست بِسَوا ( 1 ) . إن الإبلَ إذا كَلَّت قُواها ، وَنَفخَتْ في بُراها ( 2 ) ، أطربها السائقُ بحُداها ، فَنَفَختْ ( 3 ) في سُراها ، فعلَّلُوها بحديث حاجِرٍ ( 4 ) ، وَلتصنع الفلاةُ ما بدا لها . هذا وهي غليظةُ الطبعِ بهيميةٌ ، فكيف بأهلِ القلوبِ الروحانية .
فإياك والاستبعادَ لِكل ما غزَّ عليك ، والاستنكارَ لما خَرَجَ من يديك ، طالبُ المعالي لا يعنو كَمَداً ، ولا يهدأ أبداً ، وكلما قيل له : قِفْ تسْترِحْ ، جُزتَ المَدَا ، قال : وهل نِلْتُ المدا ؟ !
التنبيهُ السابع : لو فَرَضنا أن في الواجبات والأعمال الصالحاتِ ما هو متعسّرٌ في نفسه ، لم يَحْسُنْ من أحدٍ من العامَّة ، فضلاً عن الخاصة أن يتصدَّر لتعسيره ، وتخذيلِ الراغب فيهِ عن نهوضه في طلبه وتشميره بذكر ما فيه من الحَرَجِ ، وتهويلِ ما في طلبه من النَّصَبِ ، بل السُّنةُ النبوية تيسِيرُ الأمورِ على من عَسُرَتْ عليه ، وتذكيرُ القلوبِ الغافلةِ ، وتنشيطُ النفوس الفاتِرة . ولهذا شُرِعتِ الخطب ، وصنَّفَ الوعاظُ كُتُبَ المواعظ ، وَدَوَّن
هامش
( 1 ) أي بسواء ، فحذف الهمزة للسجع .
( 2 ) البُرى : وهي الحلقة في أنف البعير للتذليل .
( 3 ) يقال : نفحت الدابة تَنفَحُ نفحاً وهي نفوح : رمحت برجلها ، ورمت بحد حافرها ودفعت وهذا ينبئ عن نشاطها ، والسُّرى : السير بالليل .
( 4 ) في " الصحاح " الحاجر : ما يمسك الماء من شفة الوادي ، وزاد ابن سيده : ويحيط به وفي التهذيب : والحاجر من مسايل المياه ومنابت العشب : ما استدار به سند أو نهر مرتفع ، ومن هذا قيل للمنزل الذي في طريق مكة : حاجر ، وفي الأساس : وفلان من أهل الحاجر وهو مكان بطريق مكة .