والتناصف ، وَدَواعٍ إلى الرفقِ والتعاطف . وكل ما خالَفَها من الأساليبِ فارقَ حظَّهُ من هذه الآدابِ الحسان ، وكلُّ منْ جانبها من المتناظرين علقته رائحة من قول حسَّان :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إنَّ الخَلَائقَ فَاعْلَمْ شرُّهَا البِدَعُ ( 1 )
استدراك : ما كان من أقوال الخصومِ معلوماً بالضرورة ، لا تفاوت العبارات في إعطاءِ معناه ؛ كبعض مذاهب المعتزلة والأشاعرة ، وسائر الطوائف ، فإنها معلومةٌ بالتواترِ ، مأمون من منازعةِ أربابها فيها ، فلا شين على الخصمِ إذا ذهبَ هذا المذهب في حكايتِها - بالمعنى - إذ لم يكن في معناها غُموضٌ تفاوتُ - في الكشف عنه - العبارات .
والعجبُ أن السيِّد - أَيَّدَه الله - مع ما لَه من جلالةِ القدر والخطر ، ومع قطعِ عُمُرهِ في علومِ الجَدَلِ والنظر ، أَهْملَ هذا المهمَّ الجليل ، وغَفَلَ عن هذا الأصلِ العظيم ، فظلمني حظي ، ولم يأت بلفظي ؛ حتى أُحاميَ عنه ، وأُبيِّنَ فسادَ ما أَخَذهُ منه . وإنما تُقَرَّرُ الأُمور على مبانيها ، وتُفَرَّعُ العلوم على مباديها ، والفرعُ من غير أصل كالبناء من غير أساس ، والجواب من غير مبتدأٍ كالطُّنْبِ ( 2 ) من غيرِ عمود .
أيها السَّيِّد : كم جمعتَ عليَّ في هذه الدعوى مظالم ، وادعيت عليَّ وأنا ( 3 ) غائب ، ولم تأت ببينة ، وحكمت لنفسك ، ولم تَنْصِبْ لي وكيلاً ،
هامش
( 1 ) عجز بيت ، وصدره : سجية تلْك منهم غيْرُ مُحْدَثه .
وهو في ديوان حسان ص ( 145 ) من قصيدة مطلعها .
إن الذَّوائب منْ فهرٍ وإخوتهم . . . قدْ بيَّنُوا سُنَّة للنَّاس تُتَّبَعُ
( 2 ) الطُّنْبُ والطُّنُبُ : جل طويل يُشد به البيت والسُّرادق بين الأرض والطرائق ، وقيل : هو الوتد ، والجمع أطناب وطِنَبَة .
( 3 ) في ب : وأنت .