الوجه الثالث : أنه لا يَحْصُلُ الأمان المقتضي للمفسدة من القول بقبولِ التوبة ، فإن الخوف مع التوبة باقٍ ، والخواتم والسوابق مجهولةٌ ولذلك قيل :
يَخَافُ على نفسه من يَتُوبُ . . . فَكَيْفَ يُرَى حَالُ من لا يتوبُ
وهذا إجماعٌ على قواعد المرجئة ، بل القنوط أدعى إلى ارتكاب الكبائر ، كما صح في حديث الذي قتل تسعة وتسعين ( 1 ) كما يأتي في بقية الحُجج على ابن عباس رضي الله عنه .
الوجه الرابع : أن الله تعالى وإن نصَّ على أن جهنم جزاء القاتل ، فإنَّ رحمته سابقةٌ غالبةٌ لغضبه ، واسعةٌ لجميع المذنبين من خلقه ، كما نصَّ على ذلك القرآن والسنة ، ومن رحمته قبولُ توبة التائبين ، وقد قال تعالى : { عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } [ الأعراف : 156 ] وقال تعالى حاكياً عن الملائكة إنهم قالوا : { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَك } [ غافر : 7 ] ففرّق سبحانه في الآيتين بين سعة رحمته وكتابتها ، فجعل سعتها عامةً لِكُلِّ شيءٍ على حدِّ عمومه لكل شيء ، وجعل كتابتها التي هي وجوبها خاصةً ( 2 ) بالمؤمنين والتائبين الذين كلامنا فيهم ، فلو خَرَجَ القاتل التائب من خصوص من كُتِبَتْ له الرحمة ما خرج من عموم من وَسِعَتْهُ ، والدليل على أن سعتها غير كتابتها وجوه :
الأول : أنه الظاهر لغة .
الثاني : أنه جعل السَّعَة لكل شيء في الآيتين ( 3 ) معاً ، وجعلها مثل سعة العلم الذي لا أوسع منه ، فلا يخرج منه شيءٌ قطعاً ، وجعل الكتابة خاصَّةً بالمؤمنين ، والدعاء خاصّاً بهم .
الثالث : أنه لو لم تَسَعْ ذنبَ الكفر والقتل ، لم يَهْدِ كافراً ، ولا قاتلاً إلى
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه في 1 / 219 و 314 .
( 2 ) في ( ف ) : " خاصاً " .
( 3 ) في ( ف ) : " الاثنين " .