فإن قيل : إنَّما أمسك الصحابةُ رضي الله عنهم عن ذلك لِعدم الحاجة ، فإِن البدع إِنَّما نَبَغَتْ من بعدهم ، فَعظُمَتْ حاجةُ المتأخِّرين إليه ، ومعرفةُ الكلام راجعة إلى معرفةِ معالجة المرضى بالبدع ، فلمَّا قلَّت في زمانهم ( 1 ) أمراضُ البدع ، قلَّت عنايتُهم بجمع ( 2 ) طرق المعالجة .
فالجوابُ من وجهين :
أحَدُهُما : أنَّهم في مسائل الفرائِض ما اقتصروا على شأن حكم الوقائع ، بل وضعوا المسائلَ ، وفرضُوا فيها ما تنقضي الدُّهُورُ ولا يَقَعُ مِثْلُهَا ، لأنَّ ذلك ممَّا أمكن وقوعُه ، فصنَّفوا حكمه ورتبوه ( 3 ) قبلَ وقوعه ، إذ ظنَّوا أنَّه لا ضررَ في الخوض فيه ، وفي بيانِ حكم الواقعة قبل وقوعها ، وكانت ( 4 ) العنايةُ بإزالةِ البدعِ ونزعها من النفوس أهمَّ ( 5 ) ، إلاَّ أنَّهم ثم يتخِذُوا ذلك صناعةً ، لعلمهم ( 6 ) أنَّ الاستضرارَ بالخوض فيه أكثرُ مِن الانتفاع ، ولولا ( 7 ) أنَّهم كانوا قد حذَّروا مِنْ ذلك ، لما فَهِمُوا تحريمَ الخوضِ فيه ، وقصَةُ عمر مع صَبيغ بن عَسَلِ معروفة ( 8 ) ، وقصة الخوارج ، وذكر الفرق عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وتحذيره منها مشهورٌ غيرُ منكرٍ .
الجوابُ الثاني : أنَّهم كانوا محتاجين إلى محاجَّةِ اليهودِ والنصارى في إثبات النبوَّة نُبُوَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى إثبات الإلهية مع عَبَدَةِ الأصنام ،
هامش
( 1 ) في ( ش ) : أزمانهم .
( 2 ) في ( ش ) : بجميع .
( 3 ) في ( ش ) : ورتبوا .
( 4 ) في ( ش ) : فكانت .
( 5 ) ساقطة من ( ش ) .
( 6 ) في ( ب ) : لعملهم ، وهو خطأ .
( 7 ) في ( ش ) : ولو .
( 8 ) تقدم تخريجها في هذا الجزء ص 346 ت ( 1 ) .