بأولئك المقدوحِ فيهم مع أبي هريرة ، فكيف يَنْتَسِبُون إليهما ، وَيَنْتَقِصُونَ مَنْ هو حُجَّةٌ لهما ، وَقُدْوَةٌ عندهما .
ثم مِنْ عَدَمِ إنصاف صاحبِ ذلك الكلام المسند إلى الإسكافي ، ولعله منه بريء أيضاً ، فما يصلحُ إِلَّا لبعضِ أعداءِ الإسلام ، فإنه ذكر القدحَ في أبي هُريرة ، وغيرِه من خِيرة السَّلَفِ الصالح ، وأفردَ القدحَ فيهم ، ولو كان هذا من المسلمين ، لأورد ما وَرد فيهم مِن جرح وتوثيق ، وسمَّى مَنْ جَرحَهُمْ وَمَنْ وَثَّقهم حتى يتمكَّنَ الناظِرُ من الترجيح عند التعارض ، كما هو شأنُ أهلِ كتب هذا الشأنِ من علماء الإِسلام .
وأما الزنادقةُ ، فتراهم - إذا ذكروا أحداً مِن أئمة الإسلام الذين تملأ محاسِنَهم الدواوينُ ، وتملّ حسناتِهم الكاتبون - لم يذكورا له إلاَّ ما لم يَصِحَّ مِن المساوىء والمثالبِ والفواحشِ المفتراة والمعايبِ ، وليس العجبُ ممن يقدح في الأكابرِ مِن هؤُلاءِ الأسافلِ ، ولله القائل :
وإذَا أتتْك مَذَمَّتِي مِنْ ناقِصٍ . . . فَهي الشَّهَادَةُ لي بِأنِّي فَاضِلُ ( 1 )
وإنَّما العَجَبُ مِن بلادةِ مَنْ يَسْبِقُ إلى عقله صِدْقُ أخسِّ الناسِ وَمَنْ خيرُ أحواله أن يكون مجهولاً في ذَمِّ خيرِ الناس بنصِّ كتاب الله تعالى ، وشهادةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وَمَنْ أَدْنَى أحوالِه أن يكونَ على من جَرَحَهُ مِن الأراذِلِ مقدماً مقبولاً .
واعلم أنا قد جرَّبْنَا في أنفسنا ، وَمَنْ عاصَرَنَا مِن الأئمة والفُضلاءِ كَذِبَ الكذَّابينَ عليهم ، وَحسَدَ الحاسدينَ لهم ، وهذه عادة مستمرة للأنجاس في
هامش
( 1 ) هو للمتنبي من قصيدة مطلعها :
لك يا منازل في القلوب منازل . . . أقفرتِ أنتِ وهُنَّ منكِ أواهل
والرواية فيه : " كامل " بدل " فاضل " وكذلك هي في ( ش ) .
انظر الديوان 3 / 249 بشرح العكبري .