هذا البرهان الغِلاطي ، لأن النتيجةَ معلومة متى صَحَّت هذه المقدماتُ الموهومة ، وكلامُهُ هذا يشتمِلُ على حقٍّ وباطلٍ فلم ينتج الحق ، وذلك أن قولَه : إن أفعالَهم مِن اللهِ تعالى صحيحٌ ، وكلامٌ صادق ، لكنه لما لم ينتج له المقصود ، ضمَّ إليه الباطلَ طمعاً في أنَّه ينتج له وهو قوله : فالإِثابة عليها والعقاب لا معنى له . فإنَّ هذه الزيادةَ باطلةٌ ، لأنَّه إما أن يدعي أنها مذهبهم فإن ذلك لا يتم لوجوه :
أحدها : أنَّ كتبهم تُكَذِّب هذه الدعوى .
وثانيها : أنَّهم أنفُسَهم يُكذبونها ، فهم موجودون لم يُعْدَمُوا ، ومقاربون للبلاد لم يَبْعُدُوا .
وثالثها : أن أفعالَهم تكذب هذه الدعوى على ما قررنا في الجواب على دليلِه الأول ، لأن العاقلَ وغير العاقل لا يفعلُ الفعلَ إلا لِداعٍ ، ومن المعلوم أنَّهم يفعلون الطاعَةَ ، وأنه لا داعيَ لهم إلى فعلها إلا اعتقادُ أنَّ اللهَ تعالى يثيب عليها ، وُيعاقِب على تركها .
ورابعها : أنَّه يلزمُ مِن نسبة هذا إليهم تكفيرُ مَنْ لم يُكفرهم من الأئمهَ عليهم السلامُ وسائر علماء الإسلام .
وخامسها : أنَّ بُطلانَ هذه الدعوى عليهم معلوم بالضرورة لِكل من له أدنى تمييزٍ ، فلا نُطَوِّلُ في الجليات .
فإن قلتَ : ما مثالُ قياس السَّيِّدِ هذا في الأقيسة الغِلاطية المنطقية ؟
قلث : مثالهُ أن يكون الوسط المتكررُ مشتملاً على حقٍّ وباطل يجعلُهُما محمولاً واحداً لموضوع المقدمة الكبرى ، كقولك : الإِنسان ضاحِكٌ وصاهل ، وكل صاهِل فرس ، لينتج أن الإِنسان فرس ، ووجه الغِلاط
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 283
مساهمون: شعيب الأرنؤوط
ص٢٨٣