وحامَوْا عليها محاماةَ الأُسودِ على الأشبال ، وقد أجاد في هذا المعنى مَنْ قال :
نَقَمْتُ عَلَى المُبَرِّدِ ألْفَ بَيْتٍ . . . كَذاكَ الحَيُّ يَغْلِبُ ألْفَ مَيْتِ
فهذا الكلامُ في الدعوى التي تمسَّك بها .
وأما الحُجَّتَانِ فإحداهما : أنَّه قال : يجوزُ أن يكونَ الإمامُ مُقَلِّداً ، والأخرى : أنَّه صنف كتاباً للمستظهرِ ، والكلامُ في ضعف هَاتَيْن الحُجَّتَيْنِ يظهر بذكر مباحِثَ .
البحث الأول : لو طَرَّدَ السَّيِّدُ القياسَ في هذا التحريج ، لادَّعى على الأمَّةِ بأسرها ما ادَّعى على الغزالي مِن تعسيرِ الاجتهاد حين أجاز التقليدَ للإمامِ مع نَصَّه الصَّريحِ على تسهيل الاجتهاد ، وذلك لأن الأمة قد أجازت التقليدَ للعوام ، فلو صحَّ كلامُ السَّيِّد في حقِّ الغزالي ، لصح أيضاً أن يقولَ : لو كان الاجتهادُ سهلاً عند الأمة ، لأوجبوه على كُلِّ مُكَلَّفٍ ، ولقالوا : إنه يكفيه أن يَقْرَأ مختصراً مختصراً في كُلِّ فن إلى آخر استدلاله ، فإنه يصح الاستدلالُ به في حقِّ الأمة مثل ما يَصِحُّ مثلُه في حقِّ الغزالي .
البحث الثاني : هذا تجريحٌ مِن السَّيِّدِ للغزالي ، والتجريحُ له شرائطُ معروفة ، وهو ينقسِم إلى أقسامٍ محصورة ، فيتأمل السَّيِّدُ كلامَه مِن أيِّ أقسامِ التجريح الصحيحة .
البحث الثالث : سلَّمنا أنَّه تجريحٌ صحيحٌ ، لكنه مخالِفٌ لنص الغزالي الصريحِ الذي حكاه السَّيِّدُ ، ولا معنى للتجريح مع وجودِ النص ، لأنَّه إن لم يعمل به ، فلا معنى للاشتغال به ، وإن عَمِلَ به ، فإما أن يُقال : هو أرجحُ مِن النص ، فهذا عنادٌ ، أو يُقَال : النصُّ أرجَحُ ، فالاشتغالُ بالمرجوح ، وتركُ الراجح قبيح .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 23
مساهمون: شعيب الأرنؤوط
ص٢٣