ومِن ذلك قولُ الأعمى ( 1 ) الذي قضى عليه عمر الدِّية حين سَقَط هو وقائدُه في حفرة ، فوقع فوق قائده فقتله ، وسَلِمَ ، فلمَّا قَضَى عليه عمر بالدِّيةِ ، جعل يطوفُ وهو يقول :
يا أيُّهَا النَّاسُ لَقِيتُ مُنْكَرَاً . . . هلْ يَعْقِلُ الأعْمى الصَّحِيح المُبْصِرَا
خَرَّا مَعاً كِلاهُما تَكَسَّرا
فهذه وأمثالُها لم يعتمدوها أدلةً على الأحكام ، ولا يتوهَّمُ ذلك أحدٌ مِن أولي الأفهامِ ، فإنما هي مُلَحٌ سَمَرِيَّة لا حُجَحٌ نَظَرِيَّة .
فإن كان السَيِّدُ - أيَّدَه الله - إِنما أراد ما أرادُوا مِن الإحْمَاضِ ( 2 ) ولم يَقْصِدْ بذلِكَ الكلامِ النقضَ والاعتراضَ ، فكان يجبُ عليه أن لا يُورِدَ ذلك إلا بعدَ إيراد الأدِلَّةِ السَّاطِعَة ، أو البراهينِ القاطعة .
النظرُ التاسِعُ : أن الاجتهادَ وشرائِطَه مِن قواعدِ الإسلامِ التي ينبني عليها عندَ الجماهيرِ صِحَّةُ الإمامةِ والقضاءِ والفُتيا ، فينبغي التَّثَبُّتُ في الدليل على شروطها مِنْ نفيٍ وإثباتٍ ، والسَّيِّدُ قد زاد في شروطِها شرطاً لم يَسْبِقْهُ غيرُه إليه واستدلَّ عليه بمجرَّدِ الشَّكِّ والتَّحيُّرِ في كيفية العبارة إذا سُرِقَتْ كُتُبُ العالم ، أو غُصبت : هل يُقَالُ : سُرِقَ علمه ، أو اغتُصِبَ ، أو كيف يُقَالُ ؟ .
فنقول للسيد : هذه حُجَّةٌ غريبةٌ ما عرفناها ، فَبَيِّنْ لنا مِن أيِّ أنواعِ
هامش
( 1 ) أخرج قصته الدارقطني والبيهقي 8 / 112 من طريق موسى بن عُلي بن رباح ، عن أبيه أن أعمى . . . . وفيه انقطاع .
( 2 ) يقال : أحمض القوم : إذا أفاضوا فيما يُؤنِسهم من حديث ، وكان ابن عباس يقول إِذا أفاض مَنْ عنده في الحديث بعد القرآن والتفسير : أحمضوا . ضرب ذلك مثلاً لخوضهم في الأحاديث وأخبار العرب إذا ملُّوا تفسير القرآن .
وقال الطِّرماح :
لا يَنِي يُحمِضُ العَدُوَّ وذو الخُل . . . - لةِ يُشفي صَدَاهُ بالإحْمَاضِ