يكون أثر ذلك أنّه حينما يأمر عبيد الله بن زياد به أن يُقتل فيُقتل ، يأتي شخصٌ من أهل الكوفة « 1 » فيذبحه ، يعني يقطع رأسه ، فيقال له : لماذا قطعت رأسه ؟ يقول : لكي أريحه بذلك « 2 » .
هذه الامّة لا تفكّر إلّا على هذا المستوى من الشفقة في حياتها ، الشفقة التي تشعر بها هي الشفقة على هذا المستوى . أمّا الشفقة على الوجود الكلّي ، الشفقة على الكيان ، الشفقة على العقيدة ، هذه الشفقة انتزعت من قلوبها ؛ لأنّها شفقة تكلّف ثمناً غالياً .
الشفقة التي لا تكلّف ثمناً هي أن يقطع رقبة هذا الشخص ، أن يريحه من هذه الحياة ، من الحياة في ظلِّ عبيد الله بن زياد . ولكنّ الشفقة التي تكلّف ثمناً ، تلك الشفقة انتزعت من قلوبهم .
هذه المظاهر من البرود والسكون بالرغم من قوّة الإثارة ، هذه المظاهر هي دليلٌ على عمق ما وصلت إليه الامّة من انحلال .
المشهد السادس : الاندفاع نحو خطّ السلطة :
إلى جانب ذلك ، أو في عكس ذلك : ذلك الاندفاع المحموم نحو خطّ السلطان ، نحو خطّ الحكم القائم .
عبيد الله بن زياد استطاع خلال أسبوعين - أو خلال ثلاثة أسابيع على أكثر تقدير - بعد مقتل مسلم بن عقيل « 3 » إلى أوّل المحرّم أن يجنّد عشرات الألوف من أبناء هذا البلد ، الذي كان - ولا يزال إلى ذلك الوقت - يحمل رسالة علي ، والولاء لعلي ، جنّد من هذا البلد عشرات الآلاف ، واستجاب له مئاتٌ من
هامش
( 1 ) هو : عبد الملك بن عمير اللخمي .
( 2 ) وردت هذه الزيادة في : أنساب الأشراف 169 : 3 ؛ الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 71 : 2 .
( 3 ) « كان قتلُ مسلم بن عقيل يوم الثلاثاء ، لثلاث خلون من ذي الحجّة سنة ستّين » الأخبار الطوال : 242 ؛ المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 328 : 5 .