الثاني : أنّ هذا الاختيار الذي ثبت للإنسان ليس اختياراً مطلقاً ؛ إذ ما أكثر الأشياء التي تقع أو لا تقع برغم أنف الإنسان ، فهو اختيار محدود لا محالة ، وضابطه هو : أنّ الأفعال والتروك التي يكون للاعتقاد بالمصالح والمفاسد تأثير فيها وجوداً وعدماً فهي أمور اختياريّة .
ويدخل تحت هذا الضابط أمران :
الأوّل : الأفعال الخارجيّة كالصلاة والصيام ، أو المُنشَآت النفسيّة كعقد القلب ، ونحو ذلك .
والثاني : نفس الحبّ والبغض والشوق المؤكّد .
أمّا الأوّل ، فانطباق الضابط عليه واضح .
وأمّا الثاني ، فتطبيق الضابط عليه قد يكون بأحد وجهين :
الأوّل - وهو الصحيح - : أنّ تأثّر الحبّ والبغض والشوق المؤكّد يكون بالاعتقاد بالمصلحة والمفسدة في المحبوب والمكروه ، فمن يعتقد المصلحة في الأكل مثلًا يشتاق إلى الأكل ، ومن يعتقد المفسدة فيه يكرهه ، نظير : أنّ من يعرف بوجود صفات الكمال في عليّ عليه السلام يحبّه ، ومن يعرف بوجود صفات اللؤم في إبليس يبغضه . وبهذا الاعتبار كانت هذا الصفات داخلة تحت الاختيار في كثير من الأوقات ، وصحّ التكليف بها ، فيصحّ أن يوجب المولى على العبد أن يحبّ أمير المؤمنين عليه السلام ؛ إذ بالإمكان دخله تحت الاختيار عن طريق النظر في صفاته وكمالاته عليه السلام ، أو أن يحبّ الصلاة ؛ إذ بإمكانه ذلك عن طريق النظر إلى مصالحها وهكذا .
الثاني : أن تفرض المصلحة في نفس الشوق المؤكّد ، فلو فرض أنّه لا يرى مثلًا أيّ مصلحة في نفس القيام ، لكن قال له شخص : لو أردت القيام واشتقت إليه شوقاً مؤكّداً ، أعطيتك ديناراً ، سواء قمت بالفعل كما هو الواقع ؛ لأنّ الشوق المؤكّد
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 86
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٨٦