والاختيار ، حيث إنّ مجرّد اختيار المذهب الشيعيّ في المسألة الأولى القائل بأنّ للإنسان دخلًا في الفاعليّة كما أنّ للَّهتعالى دخلًا فيها ، أو اختيار المذهب المعتزليّ القائل بأنّ الإنسان هو الفاعل محضاً لا يُحتّم كون الإنسان مختاراً غير مجبور في فعل ، فلعلّ صدور الفعل من الإنسان كصدور الإحراق من النار بناءً على فاعليّة النار للإحراق . نعم ، لو اختير في المسألة الأولى المذهب الأشعريّ القائل بكون الفاعل هو اللَّه محضاً ، لثبت كون الإنسان غير مختار ، فهذا المسلك وإن كان يكفي لإثبات الجبر لكن المسلكين الآخرين لا يكفيان لإثبات الاختيار ، فلابدّ من المسألة الثانية لحسم مسألة الجبر والاختيار فنقول :
المسألة الفلسفيّة :
وأمّا المسألة الثانية : فهي - في الحقيقة - نشأت لدفع شبهة فلسفيّة تنفي الاختيار حتّى بعد الاعتراف بأنّ الفعل فعل الإنسان ، وهذه الشبهة مركّبة من مقدّمتين :
الأولى : أنّ الاختيار ينافي الضرورة ؛ فإنّ الضرورة تساوق الاضطرار المقابل للاختيار من قبيل حركة يد المرتعش التي هي ضروريّة .
الثانية : أنّ صدور الفعل من الإنسان يكون بالضرورة ؛ لأنّ الفعل الصادر منه ممكن من الممكنات ، فتسوده القوانين السائدة في كلّ عالم الإمكان القائلة بأنّ الممكن ما لم يجب بالغير لم يوجد ، فبالجمع بين هاتين المقدّمتين يثبت أنّ الإنسان غير مختار في أفعاله ؛ إذ لا يصدر منه فعل إلّابالضرورة ، والضرورة تنافي الاختيار .
وهذه الشبهة اختلفت المسالك والمباني في كيفيّة التخلّص عنها ، فبعضها يرجع إلى المناقشة في المقدّمة الأولى ، وبعضها يرجع إلى المناقشة في المقدّمة الثانية ، فنقول :