فبلغ الرشيد ذلك ، فحلف أنها لا تذكره ؛ ثم تسمّع عليها يوما ، فوجدها وهي تدرس « 1 » آخر سورة البقرة ، حتى بلغت قوله تعالى
فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ
« 2 » فلم تلفظ به ، وقالت « 3 » : فإن لم يصبها وابل فما نهانا عنه أمير المؤمنين .
فدخل الرشيد وقبّل رأسها ، وقال « 4 » لها : قد وهبت لك طلّا ، ولا منعتك بعد هذا عمّا تريدين منه « 5 » . ذكر ذلك الصولي .
وكانت عليّة من أعفّ الناس ؛ كانت إذا طهرت لزمت المحراب ، وإذا لم تكن طاهرة غنّت .
ولما خرج الرشيد إلى الرّيّ أخذها معه ، فلما وصل إلى المرج بها « 6 » نظمت قولها : [ من الطويل ]
ومغترب بالمرج يبكي لشجوه * وقد غاب عنه المسعدون على الحبّ
إذا ما أتاه الرّكب من نحو أرضه « 7 » * تنشّق يستشفي برائحة الرّكب
وصاغت في الحال لهما لحنا ، وغنّت به . فلما سمع الصوت ، علم أنها قد اشتاقت إلى العراق ، وأهلها به ، فأمر بردّها « 8 » .
وكان قد عوّدها الدخول إليها إذا دخل إلى حرمه . فأغفل ذلك يوما ، فقالت : [ من السريع ]
أهلي « 9 » سلوا ربّكم العافية * فقد دهتني بعدكم داهيه
هامش
( 1 ) الفوات : تقرأ في .
( 2 ) البقرة : 265 .
( 3 ) فإن لم يصبها . . . وقالت : سقط من الفوات .
( 4 ) م د : فقال .
( 5 ) منه : سقطت من الفوات .
( 6 ) الفوات : فلما وصلت إلى المرج .
( 7 ) الأغاني : أرضهم .
( 8 ) د : فردّها .
( 9 ) الأغاني : صحبي ؛ وقد وردت هذه الأبيات في موضعين من الأغاني : 9 / 53 و 9 / 87 بترتيب مختلف في كل منهما .