أشعر من الفرزدق عند أكثر أهل العلم . قيل إن بيوت الشعر أربعة فخر ومديح وهجاء ونسيب ، وفي الأربعة فاق جرير غيره ، فالفخر قوله : [ من الوافر ]
إذا غضبت عليك بنو تميم * حسبت الناس كلّهم غضابا
والمديح قوله : [ من الوافر ]
ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح
والهجاء قوله : [ من الوافر ]
فغضّ الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا
والنسيب قوله : [ من البسيط ]
إن العيون التي في طرفها حور * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك به * وهنّ أضعف خلق اللّه أركانا
قال أبو عبيدة : رأت أمّ جرير في نومها وهي حامل به كأنها ولدت حبلا من شعر أسود ، فلما وقع جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجال كثير فانتبهت مذعورة فأوّلت الرؤيا فقيل لها تلدين غلاما شاعرا ذا شرّ وشدّة وشكيمة وبلاء على الناس . فلما ولدته سمته جريرا باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها . والجرير الحبل . وقال رجل لجرير من أشعر الناس ؟ فقال له : قم حتى أعرّفك الجواب . فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطيّة وقد أخذ عنزا فاعتقلها وجعل يمصّ ضرعها فصاح به : أخرج يا أبه فخرج شيخ ذميم رثّ الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته . فقال له : أترى هذا قال نعم . قال أو تعرفه ؟ قال : لا . قال هذا أبي ، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز ؟
قال : لا . قال مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه اللبن ، ثم قال :
أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرا وقارعهم ففلّهم جميعا .
ودخل على عبد الملك بن مروان فأنشده : [ من الوافر ]
أتصحو أم فؤادك غير صاح * عشيّة همّ صحبك بالرّواح