فأحجم الخوارزميّ عن الحفظ لكبر سنّه ولم يجل في النثر قداحا وقال :
أبادهك ، فقال البديع : الأمر أمرك يا أستاذ ، فقال له الخوارزمي :
أقول لك ما قال موسى للسّحرة
قالَ بَلْ أَلْقُوا
« 1 » فقال البديع :
الشعر أصعب مذهبا ومصاعدا * من أن يكون مطيعه في فكّه
والنظم بحر والخواطر معبر * فانظر إلى بحر القريض وفلكه
فمتى تراني في القريض مقصّرا * عرّضت أذن الامتحان لعركه
وهي أبيات كثيرة فيها مدح الشريف والمفاخرة وتهجين الخوارزمي ، فقال الخوارزمي أبياتا ولكن ما أبرزها من الغلاف ، فقال البديع : أما تستحي أن يكون السنّور أعقل منك لأنّه يجعر فيغطّيه بالتراب ، فقال لهما الشريف : انسجا على منوال المتنبّي « 2 » :
ارق على أرق ومثلي يأرق
فابتدأ أبو بكر الخوارزمي وقال :
فإذا ابتدهت بديهة يا سيّدي * فأراك عند بديهتي تتقلّق
ما لي أراك ولست مثلي في الورى * متموّها بالتّرهات تمخرق
ونظم أبياتا ثم اعتذر فقال : هذا كما يجيء لا كما يجب ، فقال البديع :
قبل اللّه عذرك لكنّك وقعت بين قافات خشنة كلّ قاف كجبل قاف فخذ الآن جزاء عن قرضك وأداء لفرضك :
مهلا أبا بكر فزندك أضيق * واخرس فإنّ أخاك حيّ يرزق
يا أحمقا وكفاك تلك فضيحة * جرّبت نار معرّتي هل تحرق
فقال الخوارزمي : « أحمقا » لا يجوز فإنّه لا ينصرف ، فقال له البديع : لا نزال نصفعك حتى ينصرف وتنصرف معه وللشاعر أن يردّ ما لا
هامش
( 1 ) طه : 66 .
( 2 ) ديوان المتنبي ص 38 .