أتاني أبو دهمان الغلابي « 1 » فقعد على بابي أياما فلما وصل إليّ جلس قدامي بين السماطين ، وقال : واللّه إني لأعرف أقواما لو علموا أن سفّ التراب يقيم أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي ، أما واللّه إني لبعيد الوثبة ، بطيء العطفة ، إنه واللّه « 2 » ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفك عني ، ولأن أكون مقلا مقربا أحب إلي من أن أكون مكثرا مبعدا ، واللّه ما نسأل عملا لا نضبطه ، ولا مالا إلا ونحن أكثر منه ، إن هذا الأمر الذي صار في يديك قد كان في يد غيرك فأمسوا واللّه حديثا إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، فتحبب إلى عباد اللّه بحسن البشر ولين « 3 » الحجاب ، فإن حب عباد اللّه موصول بحب اللّه « 4 » ، وهم شهداء اللّه على خلقه ، ورقباؤه على من اعوجّ عن سبيله ، والسلام .
ولما مات ولده عمرو بن سعيد المذكور رثاه أبو عمرو أشجع بن عمرو السّلمي الرقي نزيل البصرة الشاعر المشهور بقوله :
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق * ولا مغرب إلا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفه * على الناس حتى غيّبته الصفائح
وأصبح في لحد من الأرض ضيق * وكانت به حيا تضيق الصّحاصح
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض * فحسبك مني ما تجنّ الجوانح
فما أنا من رزء وإن جلّ جازع * ولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حيّ سواك ولم يقم * على أحد إلا عليك النوائح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها * لقد حسنت من قبل فيك المدائح
وهذه المرثية من محاسن المراثي ، وهي في كتاب « الحماسة » « 5 » والبيت الأخير
هامش
( 1 ) س ن بر : العلاني ؛ وأخبار أبي دهمان في الأغاني 22 : 269 .
( 2 ) ل : أما واللّه .
( 3 ) ن : ويمن ؛ البيان : ولين الجانب .
( 4 ) زاد في ر : وبغضهم موصول ببغضه ، وكذلك ثبت في البيان .
( 5 ) الحماسية رقم : 280 ( شرح المرزوقي : 856 ) .