اللّه ، المبيد المبير الحقود ، عجل اللّه الانتقام منه ، فقال له : تعرفني ؟ قال :
لا واللّه ، قال : أنا الحجاج ، فرأى الرجل أن دمه قد طاح فرفع عصا كانت معه وقال : أتعرفني ؟ أنا أبو ثور المجنون ، وهذا يوم صرعي ، وأزبد وأرغى وهاج وأراد أن يضرب رأسه بالعصا ، فضحك منه وانصرف .
وكان الحجاج كثيرا ما يسأل القراء ، فدخل عليه يوما رجل فقال له : ما قبل قوله تعالى
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ
( الزمر : 9 ) فقال :
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
قال : فما سأل أحدا بعدها .
وخطب في يوم جمعة فأطال الخطبة ، فقام إليه رجل فقال : إن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك ، فأمر به إلى الحبس ، فأتاه آل الرجل فقالوا : إنه مجنون ، فقال : إن أقر على نفسه بما ذكرتم خليت سبيله ، فقال الرجل : لا واللّه لا أزعم انه ابتلاني وقد عافاني .
وممن هرب من الحجاج محمد بن عبد اللّه بن نمير الثقفي ، وكان يشبب بزينب بنت يوسف أخت الحجاج وهو الذي يقول :
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت * به زينب في نسوة عطرات
فلما أتي به الحجاج قال : واللّه أيها الأمير إن قلت إلا خيرا ، إنما قلت :
يخضّبن أطراف البنان من التّقى * ويخرجن شطر الليل معتجرات
قال : فأخبرني عن قولك :
ولما رأت ركب النميريّ أعرضت * وكنّ من أن يلقينه حذرات
ما كنتم ؟ قال : كنت على حمار هزيل ومعي صاحب على اتان مثله ، فعفا عنه .
ولما قتل الحجاج عبد اللّه بن الزبير ارتجت مكة بالبكاء والعويل ، فأمر الحجاج بالناس فجمعوا إلى المسجد ثم صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال :
يا أهل مكة ، بلغني بكاؤكم واستفظاعكم قتل عبد اللّه بن الزبير ، ألا وإن ابن الزبير كان من أحبار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها وخلع