اليونانية . واستغل هذه الصلة أحمد بن أبي ذؤاد المعتزلي المتعصب وراح يكلم المأمون ويتودد إليه حتى عيّنه وزيرا خاصا له ومستشارا . الإمام أحمد كما سبق وذكرنا ، كان بعيدا عن الفلسفة وعن الاعتزال وفي هذه الأثناء قال المعتزلة بخلق القرآن أي أنّ القرآن حادث مخلوق وليس كلام اللّه الأزلي القديم وتبنى المأمون هذا القول . وفي عام 218 ه أرسل كتابا إلى نائبه في بغداد وهو إسحاق بن إبراهيم يوضح فيه هذا القول مدعوما بالحجة العلمية المفصلة على زعمهم . والواضح أنّ هذا لم يكن من كلام المأمون ولكن من كلام وزيره خاصة والمعتزلة عامة . وأمر المأمون إسحاق أن يجمع كل العلماء ويقنعهم بأنّ القرآن مخلوق وأمره أن يقطع رزق وجراية كل من لم يقتنع بهذا . امتثل إسحاق بادئ ذي بدء لهذا الأمر فجمع كل العلماء من أهل السنّة وهددهم بقطع أرزاقهم ومنع الجراية عنهم إن هم لم يقتنعوا ، وأرسل إلى المأمون بأجوبة هؤلاء التي تتضمن رفض هذا القول .
فأرسل المأمون ثانية أمرا بقطع أرزاق من لم يقتنع وإرساله إليه مقيدا بالأغلال تحت تهديد القتل . وكان الإمام أحمد من بين الثلة التي رفضت أن تقتنع ولم تتراجع ، فقيّدوا جميعا بالأغلال وذهب بهم إلى طرطوس . وفي الطريق تراجع البعض خوفا ومات البعض الآخر ولم يبق إلا أحمد الذي جاءه خادم المأمون وقال له : إنّ المأمون أقسم على قتلك إن لم تجبه . ولكن أحمد رفض التراجع عن الحق وبينما هو في الطريق لا يفصله عن المأمون إلا ساعات من السّير ، إذ جثى على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء ودعا بهذه الكلمات : سيدي غرّ حلمك هذا الفاجر حتى تجرّأ على أوليائك بالضرب والقتل ، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فألقنا مؤنته . توفي المأمون قبل أن يصل أحمد إلى طرطوس فأعيد الإمام أحمد وأودع السجن ريثما تستقر الأمور . وجاء بعد ذلك المعتصم ولكن المأمون كان قبيل موته قد أوصى أخاه أن يقرّب ابن أبي ذؤاد المعتزلي منه . لذلك لما استقر الأمر للمعتصم استدعى الإمام أحمد وهو مثقل بالحديد وكان عنده ثلة من المعتزلة على رأسهم ابن أبي ذؤاد الذي كان يضمر كيدا شديدا لأحمد ، وسأله : ما تقول في خلق القرآن ؟ قال : أقول إنه كلام اللّه . قال : أقديم أم حادث ؟ قال : ما تقول في علم اللّه ؟ فسكت أبو ذؤاد . قال أحمد : القرآن من علم اللّه ومن قال إنّ علم اللّه حادث فقد كفر ! وطلب المعتصم أن يناقشوه وكاد أن يقتنع بقول أحمد ولكن قال له المعتزلة وابن أبي ذؤاد إنه لضال مبتدع . عرض المعتصم على الإمام أحمد أن يرجع عما يقول مغريا
ومضات إعجازية من القرآن و السنة النبوية — صفحة 185
مساهمون: خالد فائق العبيدي
ص١٨٥