تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات إعجازية من القرآن و السنة النبوية — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
بالقرآن كما حرّم أحمد بن حنبل ذلك أيضا .

تحسين الرسم العثماني :

كانت المصاحف العثمانية خالية من النقط والشكل لأنّ العرب كانوا يعتمدون على السليقة العربية السليمة التي لا تحتاج إلى الشكل بالحركات . وظل الناس يقرءون القرآن في تلك المصاحف بضعا وأربعين سنة حتى خلافة عبد الملك ، فلما تطرّق إلى اللسان العربي الفساد بكثرة الاختلاط بالأعاجم وذلك بسبب الفتوحات الإسلامية الواسعة ، أحسّ أولو الأمر بضرورة تحسين كتابة المصحف بالشكل والنقط وغيرهما مما يساعد على القراءة الصحيحة . ويرجّح أنّ أول من وضع ضوابط للعربية وتشكيل القرآن ، هو أبو الأسود الدّؤلي من التابعين ، وذلك بأمر من علي ابن أبي طالب كرّم اللّه وجهه وكان قد أمره بذلك زياد والي البصرة ولكنه تباطأ في بادئ الأمر إلى أن سمع قارئا يقرأ قوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ
، [ التوبة : 3 ] ، فقرأها بجر اللام من كلمة " رسوله " فغير بذلك المعنى كله وأصبح معنى هذه القراءة الخاطئة أن اللّه تعالى بريء من كل المشركين ومن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والعياذ باللّه تعالى ، بينما المعنى الصحيح للآية هو أن اللّه تعالى وكذلك رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم كلّ بريء من المشركين . أفزع هذا اللحن ( الخطأ ) أبا الأسود فذهب إلى الوالي زياد وقال له : " قد أجبتك إلى ما سألت " . وانتهى في اجتهاده أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف وجعل علامة الكسرة نقطة أسفله وجعل علامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف وجعل علامة السكون نقطتين . وأعانه في ذلك عدد من العلماء وتبعه آخرون منهم : يحيى بن يعمر ، ونصر بن عاصم الليثي وغيرهما . . . فلم ينفرد أبو الأسود الدؤلي وحده في تشكيل القرآن ولكنه كان أول من بدأ بذلك . وكلما امتد الزمان بالناس ، ازدادت عنايتهم بتيسير الرسم العثماني ، فكان الخليل بن أحمد الفراهيدي أول من صنّف النقط ورسمه في كتاب وأول من وضع الهمزة والتشديد والرّوم والإشمام . ومن المعلوم إنّ علم النحو لم يقعّد ويدوّن إلا خدمة لضبط القرآن ، حتى إنّ معظم علوم العربية الأخرى إنما قامت لخدمة القرآن أو نبعت من مضمونه . ثم تدرج الناس بعد ذلك فقاموا بكتابة العناوين في رأس كل سورة ووضع رموز فاصلة عند رؤوس الآي وتقسيم القرآن إلى أجزاء وأحزاب وأرباع والإشارة إلى ذلك برسوم خاصة ، وذكر المكي والمدني من السور . حتى إذا كانت نهاية القرن الهجري الثالث ، بلغ الرسم ذروته من الجودة والحسن .