للمرأتين تولَّى إلى ظلِّ شجرة ليستريح ، وعندها لَهَج بهذا الدعاء { رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } [ القصص : 24 ] .
كأن الحق سبحانه وتعالى يريد من الضعيف أنْ يتجه إلى المعونة ، وحين يتجه إليها فلن يفعل هو ، إنما سيفعل الله له ؛ لذلك نلحظ أن موسى في ندائه قال { رَبِّ } [ القصص : 24 ] واختار صفة الربوبية ، ولم يقُلْ يا الله ؛ لأن الألوهية تقتضي معبوداً ، له أوامر ونواهٍ ، أمّا الرب فهو المتولِّي للتربية والرعاية ، فقال : يا رب أنا عبدك ، وقد جئتَ بي إلى هذا الكون ، وأنا جائع أريد أن آكل .
ومعنى { أَنزَلْتَ } [ القصص : 24 ] أن الخير منك في الحقيقة ، وإنْ جاءني على يد عبد مثلي ؛ ذلك لأنك حين تُسلسل أيَّ خير في الدنيا لا بُدَّ أن ينتهي إلى الله المنعِم الأول ، وضربنا لذلك مثلاً برغيف العيش الذي تأكله ، بدايته نبتة لولا عناية الله ما نبتتْ .
لذلك يقولون في ( الحمد لله ) صيغة العموم في العموم ، حتى إنْ حمدتَ إنساناً على جميل أسداه إليك ، فأنت في الحقيقة تحمد الله حيث ينتهي إليه كُلُّ جميل .
إذن : فحمْد الناس من باطن حمد الله ، والحمد بكل صوره وبكل توجهاته ، حتى ولو كانت الأسباب عائدة على الله تعالى ، حتى يقول بعضهم : لا تحمد الله حتى تحمد الناس .
ذلك لأن أَزِمّة الأمور بيده تعالى ، وإنْ جعل الأسباب في أيدينا ، وهو سبحانه القادر وحده على تعطيل الأسباب ، وأذكر أن بعض
تفسير الشعراوي — صفحة 10906
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٩٠٦