بالغيب أننا سنُبعث يوم القيامة ، وسيعاد هذا الخَلْق مرة أخرى ، فالذين لم يملكوا إنكار الخلق أنكروا البعث ، فقالوا كما حكى القرآن :
{ ق والقرآن المجيد بَلْ عجبوا أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } [ ق : 13 ] .
فاستبعدوا البعث بعد الموت ، وتحلّل الأجساد في التراب . وهذه القضية خَاضَ فيها الفلاسفة بكلام طويل ، وللردِّ عليهم نقول : أنتم في القوانين الوضعية تجعلون الثواب لمن أحسن ، والعقوبة لمن قصَّر ، وتُجرِّمون بعض الأعمال بعينها ، وتضعون لها العقوبة المناسبة ، وفي القانون : لا عقوبةَ إلا بتجريم ، ولا تجريمَ إلا بنصٍّ ، ولا نصَّ إلا بإعلام .
ولم نَرَ في القانون الوضعي جريمة تُرِكت بلا عقوبة ، فإذا كان البشر يضعون لمجتمعاتهم هذه القوانين التي تنظم حياتهم ، أليس رب البشر أوْلَى بقانون الثواب والعقاب ؟ وإذا كنتَ لا ترضي لنفسك أنْ يفلتَ المجرم من العقاب ، فكيف ترضى ذلك لله ؟
ثم ألا تعلم أن كثيراً من المجرمين يرتكبون جرائمهم في غفلة من القانون ، أو يُعمُّون على العدالة ويهربون من العقاب ، ويُفلِتون من القوانين الوضعية في الدنيا ، ولو تركنا هؤلاء بلا عقاب أيضاً في الآخرة فهم إذن الفائزون ، وسوف نشجع بذلك كل منحرف خارج عن القانون .
أما إنْ علم أن له رباً قيوماً عليه ، وإنْ عمَّى على قضاء الأرض فلن يُعمِّي على قضاء السماء ، وإنْ أفلتَ من عقاب الدنيا فلن يُفلِتَ أبداً من عقاب الآخرة إنْ علم ذلك استقام .
لكن ، ما وجه استبعادهم للبعث { ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } [ ق : 3 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 10828
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٨٢٨