أمّا هؤلاء الرسل الذين جمعهم الله في سياق واحد فلم يكونوا للناس كافة ، إنما كل واحد منهم لأمة بعينها ، ولقابل واحد في زمن مخصوص ، ومكان مخصوص .
لقد بُعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليكون رسولاً يجمع الدنيا كلها على نظام واحد ، وخَلُق واحد ، ومنهج واحد ، مع تباين بيئاتهم ، وتباين داءاتهم ومواهبهم . إذن : لا بُدَّ أن يذكر الحق تبارك وتعالى لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ طرفاً من سيرة كل نبي سبقه .
لذلك قال سبحانه : { وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } [ هود : 120 ] .
ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يكُنْ في حاجة لأن يُثبِّت الله فؤاده مرة واحدة ، إنما كلّما تعرّض لمواقف احتاج إلى تثبيت ، فيُثّبته الله ، يقول له : تذكّر ما كان من أمر إبراهيم ، وما كان من أمر نوح وهود . . . إلخ فكان تكرار القصص لتكرار التثبيت ، فالقصة في القرآن وإنْ كانت في مجموعها مكررة ، إنما لقطاتها مختلفة تؤدي كُلٌّ منها معنى لا تؤديه الأخرى .
وهنا يقول سبحانه كما قال عن الأمم السابقة : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين } [ الشعراء : 141 ] لأن الرسل جميعاً إنما جاءوا بعقيدة واحدة ، لا يختلف فيها رسول عن الآخر ، وصدروا من مصدر واحد ، هو الحق تبارك وتعالى ، ولا يختلف الرسل إلا في المسائل الاجتماعية والبيئية التي تناسب كلاً منهم .
لذلك يقول تعالى : { إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط وعيسى } [ النساء : 163 ] .
وقال تعالى : { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ
تفسير الشعراوي — صفحة 10645
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٦٤٥