ومن ذلك قوله تعالى لنبيه نوح : { واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [ هود : 37 ] .
فحينما تجمع هذه اللقطات تجدها تستوعب الحدث ، ويُكمّل بعضها بعضاً ، وهذا يظنه البعض تكراراً ، وليس هو كذلك .
إذن : جاء إلقاء موسى لعصاه بعد توجيه جديد من الله أثناء المعركة : { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ } [ طه : 69 ] وهنا : { فألقى موسى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } [ الشعراء : 45 ] ومعنى { تَلْقَفُ } [ الشعراء : 45 ] تبتلع وتلتهم في سرعة وقوة ، أما السرعة واختصار الزمن والقوة ، فتدل على الأخذ بشدة وعُنْف ، وفي هذا دليل على أنه خاض المعركة بقوة ، فلم تضعف قوته لما رأى من ألاعيب السَّحَرة .
ومعنى { مَا يَأْفِكُونَ } [ الشعراء : 45 ] من الإفك يعني : قلْب الحقائق ؛ لذلك سَمَّوْا الكذب إفْكاً ؛ لأنه يقلب الحقيقة ويُغير الواقع .
ومنها { والمؤتفكة أهوى } [ النجم : 53 ] وهي القرى الظالمة التي أهلكها الله ، فجعل عاليها سافلها .
وسبق أن أوضحنا أن الكذب وقَلْب الحقائق يأتي من أنك حين تتكلم ، فللكلام نِسَبٌ ثلاث : نسبة في الذِّهْن ، ونسبة على اللسان ، ونسبة في الواقع . فإنْ طابقتْ النسبةُ الكلامية الواقع ، فأنت صادق ، وإنْ خالفتْه فأنت كاذب .
تفسير الشعراوي — صفحة 10569
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٥٦٩