وأذكر ونحن تلاميذ كانوا يُعلِّموننا نظرية الروافع ، وكيف نُوسِّط مركزاً على عصا من الخشب ، بحيث يتساوى الذراعان ، ويكونان سواء ، لا تميل إحداهما بالأخرى ، وإذا أرادتْ إحداهما أن تميل قاومتْها الأخرى ، كأنها تقول لها : نحن هنا . فإذا ما علقتَ ثِقَلاً بأحد الذراعين لزمك أن تطيل الأخرى لتقاوم هذا الثقل .
ويروي أن عبد الملك بن مروان لما أراد أن يُزوِّج ابنته فاطمة من عمر بن عبد العزيز اختبره بهذا السؤال ليعرف ميزانه في الحياة : يا عمر ، ما نفقتك ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، نفقتي حسنة بين سيئتين ، ثم تلا هذه الآية : { والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } [ الفرقان : 67 ] .
فعلم الخليفة أن زوج ابنته يسير سَيْراً يضمن له ولزوجته مُقوّمات الحياة ، ويضمن كذلك المقومات العليا للنفس وللمجتمع .
وسبق أن ذكرنا أن الإنسان الذي ينفق كل دَخْله لا يستطيع أن يرتقي بحياته وحياة أولاده ؛ لأنه أسرف في الإنفاق ، ولم يدخر شيئاً ليبني مثلاً بيتاً ، أو يشتري سيارة . . الخ .
ومصيبة المجتمع أعظم في حال التقتير ، فمصلحة المجتمع أنْ تُنفق ، وأن تدخر ، كما قال سبحانه : { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء : 29 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 10509
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٥٠٩