لقد كانت معجزة القرآن كافية لتقوم دليلاً على صِدْق الرسول في البلاغ عن الله ، وأيضاً جاءكم بغيبيّات لا يمكن أن يطلع عليها إنسان ، لا في القديم الذي حدث قبل أنْ يُولدَ ، ولا في الحديث الذي سيكون بعد أنْ يُولد .
إذن : فدليل صدق الرسول قائم ، فما الذي دعاكم إلى اقتراح معجزات أخرى ؟
وقولهم : { أَوْ نرى رَبَّنَا } [ الفرقان : 21 ] والله ، لو كان إله يُرَى لكم ما صَحَّ أن يكون إلهاً ؛ لأن المرئي مُحَاطٌ بحدقة الرائي ، وما دام أحاط به فهو إذن محدود ، ومحدوديته تنافي ألوهيته .
وإلاَّ فالمعاني التي تختلج بها النفس الإنسانية مثل الحق والعدل الذي يتحدث عنه الناس وينشدونه ويتعصَّبون له ، ويتهافتون عليه لحلِّ مشاكلهم وتيسير حياتهم : أتدرك هذه المعاني وأمثالها بالحواس ؟ كيف تطلب أن تدرك خالقها عَزَّ وَجَلَّ وبالحواسّ ؟
لذلك يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله : { لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيرا } [ الفرقان : 21 ] استكبر وتكبَّر : حاول أن يجعل نفسه فوق قَدْره ، وكلُّ إنسان مِنّا له قَدْر محدود .
ومن هنا جاء القول المأثور : « رَحِمَ الله امرءً عرف قدر نفسه » . فلماذا إذن يتكبّر الإنسان ؟ لو أنك إنسان سوىّ فإنك تسعد حين نمنع عنك مَنْ يسرقك ، أو ينظر إلى محارمك أو يعتدي عليك ، فلماذا تغضب حينما نمنعك عن مثل هذا ؟
النظرة العقلية أن تقارن بين مَا لك ومَا عليك ، لقد منعنا يدك وهي واحدة أنْ تسرق ، ومقابل ذلك منعنا عنك جميع أيدي الناس
تفسير الشعراوي — صفحة 10408
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٤٠٨