وحين يُؤخَذ الحق من صاحبه ، ثم لا يجد مَنْ ينصفه ، ويعيد له حقه المسلوب يميل إلى الكسل ويزهَد في العمل وبذْل المجهود ، ومعلوم أن العمل لا تعود ثمرته على صاحبه فحسب ، وإنما على الآخرين حيث يُيسِّر للناس مصالحهم ، ويُسهِم بحركته في حركة المجتمع .
وسبق أن قلنا : إن الفرْق بين المؤمن وغيره في العمل أن الكافر يعمل لنفسه ، أمّا المؤمن فيعمل لما يكفيه ، ويجهد ليساعد الآخرين ؛ لذلك عليك أن تعمل على قَدْر طاقتك لا على قَدْر حاجتك ، فحاجتك تتوفر لك مما أتيته بطاقتك ، ثم يكون الباقي عندك لمن لا يقدر على العمل وليس لديه طاقة .
والمعركة التي تدور بين الكفار والمؤمنين وعلى رأسهم الرسل ، اللهُ تعالى يفصل فيها ، يقول : لا يستطيع أحد من خَلْقي أن يظلمني ، لأن المظلوم فيه نقطة ضعف ، والظالم فيه نقطة قوة ؛ لذلك يقول سبحانه : { وَمَا ظَلَمُونَا } [ البقرة : 57 ] أي : لا يقدر أحد على ذلك
{ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ البقرة : 57 ] فظُلْمهم لأنفسهم ، لا للمؤمنين .
فالحق تبارك وتعالى يغَارُ على عبده أن يظلم نفسه ؛ لأن للإنسان ملكات متعددة : ملكة الاشتهاء العاجل وملكة التأنِّي الآجل . فالتلميذ المجتهد اختار الراحة الآجلة ، والكسول اختار الراحة العاجلة ، فكلاهما مُحِبٌ لنفسه يسعى إلى راحتها ، لكن فَرْق بين حُبِّ واعٍ ، وحُبٍّ أحمق ، فالأول يتحمل المشاق لينال في نهاية الأمر أعلى المراتب ، والآخر تستهويه الراحة العاجلة ، وسرعان ما يجد نفسه صُعْلوكاً في المجتمع ، فمتعة الأول أبقى وأطول ، ومتعة الآخر سريعة منتهية .
تفسير الشعراوي — صفحة 10397
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٣٩٧