وفي موقف آخر ، قال له جبريل : « يُخيِّرك ربك أن تكون نبياً ملكاً ، أو نبياً عبداً فقال : بل نبياً عبداً » .
والنبي مالك منهج السماء ، والملك الذي يملك السيطرة بحيث لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه ، مثل سليمان عليه السلام ، حيث آتاه الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، ومع ذلك لم يكن هذا الملْك هو المطلوب في ذاته ، بدليل أن سليمان عليه السلام مع ما أوتية من الملْك كان لا يأكل إلا الخوشكار يعني : الخبز الأسمر غير النقي ( الردَّة ) في حين يأكل عبيده ومواليه الدقيق الفاخر النقي ، فلم يكن سليمان يريد الملْك لذاته ، إنما ليقْوَى به على دعوته ، فلا يعارضه فيها أحد .
لذلك ، لما أرسلتْ إليه ملكة سبأ بهدية لتستميله بها وتَصْرفه عما يريد رَدّ عليها : { فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتان الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } [ النمل : 36 ] .
لذلك جاءته صاغرة تقول : { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين } [ النمل : 44 ] .
إذن : مسألة المال هذه عُرِضَتْ على رسول الله قبل أن يقترحها كفار مكة ، فإذا كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قد رفضه مِمَّن يملكه ، فكيف يقبله مِمَّنْ لا يملك شيئاً ؟ لذلك قال لهم :
« والله ما بي حاجة إلى ما تقولون ، ،
تفسير الشعراوي — صفحة 10382
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٣٨٢