لذلك يقول سبحانه : { الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف : 67 ] .
فلماذا لا يُؤنِّب نفسه ، ويطلب لها العذاب ، وهي التي أردتْه في التهلكة ، ففي هذا الموقف تنقلب موازينهم التي اعتادوها في الدنيا ، فالأصدقاء في الشر وفي المعصية هم الآن الأعداء .
{ قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا . . } [ الأنبياء : 97 ] لم يكن هذا الموقف في بالنا ، ولم نعمل له حساباً ، والغفلة : أنْ تدرأ عن بالك ما يجب أن يكون على بالك دائماً .
لكن ، أيّ غفلة هذه والله - عَزَّ وَجَلَّ - يُذكِّرنا بهذا الموقف في كل وقت من ليل أو نهار ، ألاَ ترى أنه سبحانه سَمَّى القرآن ذِكْراً ليزيح عنّا هذه الغفلة ، فكلما غفلتَ ذكّرك ، وهزَّ مواجدك ، وأثار عواطفك .
إذن : المسألة ليست غفلة ؛ لذلك نراهم يستدركون على كلامهم ، فيقولون : { بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ } [ الأنبياء : 97 ] لأنهم تذكَّروا أن الله تعالى طالما هَزَّ عواطفهم ، وحرَّك مواجيدهم ناحية الإيمان ، فلم يستجيبوا .
لذلك اعترفوا هنا بظلمهم ، ولم يستطيعوا إنكاره في مثل هذا الموقف ، فلم يعُدْ الكذب مُجْدِياً ، ولعلّهم يلتمسون بصدقهم هذا نوعاً من الرحمة ، ويظنون أن الصدق نافعهم ، لكن هيهات .
وكأن الحق سبحانه يحكي عنهم هذه المواجهة حين تفاجئهم القيامة بأهوالها ، فتشخص لها أبصارهم ، ويقول بعضهم { ياويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا . . } [ الأنبياء : 97 ] فيردّ عليهم إخوانهم : أيّ غفلة هذه ، وقد كان الله يُذكِّرنا بالقيامة وبهذا الموقف في كل وقت { بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ } [ الأنبياء : 97 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 9655
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٦٥٥