تعالى لنوره ، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية . الثعلبي : وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا ؛ لأنها بدل من الشجرة ، فقال
زَيْتُونَةٍ
. وقال ابن زيد :
إنها من شجر الشأم ؛ فإن شجر الشأم لا شرقي ولا غربي ، وشجر الشآم هو أفضل الشجر ، وهي الأرض المباركة ، و
شَرْقِيَّةٍ
نعت ( لزيتونة ) و
لا
ليست تحول بين النعت والمنعوت ،
وَلا غَرْبِيَّةٍ
عطف عليه مبالغة في حسنه وصفائه وجودته . . ومنهم من قال أنها لا يهودية ولا نصرانية .
وعليه يكون التفسير : اجتمع في المشكاة ضوء المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء الزيت فصار لذلك نور على نور . واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ما يكون فكذلك براهين اللّه تعالى واضحة وهي برهان بعد برهان ، وتنبيه بعد تنبيه ؛ كإرساله الرسل وإنزاله الكتب ، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر . ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده ، وذكر تفضله لعباد في ضرب الأمثال لتقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان .
وبهذه الأقوال قال القرطبي وزاد على بعض واعترض على البعض الآخر فقال :
وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأول ، وأن هذا مثل ضربه اللّه تعالى لنوره ، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلا تنبيها لخلقه إلا ببعض خلقه لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم ، ولولا ذلك ما عرف اللّه إلا اللّه وحده ، قاله ابن العربي . قال ابن عباس : هذا مثل نور اللّه وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، فإن مسته النار زاد ضوؤه ، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم زاده هدى على هدى ونورا على نور ؛ كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة :
هذا رَبِّي
، من قبل أن يخبره أحد أن له ربا ؛ فلما أخبره اللّه أنه ربه زاد هدى ، فقال له ربه :
أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
( 131 ) ( البقرة : 131 ) . ومن قال إن هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن قال : كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة لسانه وفهمه والشجرة المباركة شجرة الوحي .
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ .