والفسْق : الخروج عن أوامر التكليف ، وهذا التعبير ككُلِّ التعابير القرآنية مأخوذ من واقعيات الحياة عند العرب ، فأصل الفِسْق من فَسقَتِ الرُّطبة عن قشرتها حين تستوي البلحة فتنفصل عنها القشرة حتى تظهر منها الرُّطبة ، وهذه القشرة جُعلَتْ لتؤدي مهمة ، وهي حِفْظ الثمرة ، كذلك نقول في الفسق عن المنهج الديني الذي جاء ليؤدي مهمة في حياتنا ، فمَنْ خرج عنه فهو فاسق .
ثم يقول الحق سبحانه : { وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ . . . } .
كيف ؟ ألسنا جميعاً في رحمة الله ؟ قالوا : لأن هناك رحمة عامة لجميع الخَلْق تشمل حتى الكافر ، وهناك رحمة خاصة تعدي الرحمة منه إلى الغير ، وهذه يعنُون بها النبوة ، بدليل قول الله تعالى : { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] فردَّ الله عليهم : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ . . . } [ الزخرف : 32 ] أي : النبوة : { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا . . } [ الزخرف : 32 ] .
فكيف يقسمون رحمة الله التي هي النبوة ، وهي قمة حياتهم ، ونحن نقسم لهم أرزاقهم ومعايشهم في الدنيا ؟
فمعنى { وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ . . . } [ الأنبياء : 75 ] أي : في رَكْب النبوة { إِنَّهُ مِنَ الصالحين } [ الأنبياء : 75 ] أي : للنبوة ، والله أعلم حيث يجعل رسالته ، لكن قمة هذه الرحمة جاءت في النبي الخاتم والرسول الذي لا يُستْدرك عليه برسول بعده ؛ لذلك خاطبه ربه بقوله : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] .
فالرسل قبل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كانوا رحمة لأممهم ، أمّا محمد فرحمة لجميع العالمين .
تفسير الشعراوي — صفحة 9595
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٥٩٥