لأن أعظم ألوان الفروق أن تَفرِق السائل إلى فِرْقيْن ، كل فِرق كالطود العظيم ، ومَنْ يقدر على هذه المسألة إلا الله ؟
ثم يقول تعالى : { وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ } [ الأنبياء : 48 ] أي : نوراً يهدي الناس إلى مسالك حياتهم دون عَطَب ، وإلاَّ فكيف يسيرون في دروب الحياة ؟ فلو سار الإنسان على غير هدى فإمّا أنْ يصطدم بأقوى منه فيتطحم هو ، وإمّا أن يصطدم بأضعف منه فيحطمه ، فالضياء - إذن - هام وضروري في مسيرة الإنسان ، وبه يهتدي لحركة الحياة الآمنة ويسعي على بينة ، فلا يَتْعب ، ولا يُتعِب الآخرين .
{ وَذِكْراً . . . } [ الأنبياء : 48 ] أي : يذكِّر ويُنبِّه الغافلين ، فلو تراكمتْ الغفلات تكوَّنَ الران الذي يحجب الرؤية ويُعمى البصيرة ، لذلك لما شبه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غفلة الناس قال : « تُعْرَض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً » .
وفي رواية « عوذاً عوذاً » أي يستعيذ بالله أن يحدث هذا لمؤمن ، فهل رأيتَ صانع الحصير حينما يضمُّ عُوداً إلى عُود حتى يُكوِّن الحصير ؟ كذلك تُعرَض علينا الفتن ، فإنْ جاء التذكير في البداية أزال ما عندك من الغفلة فلا تتراكم عليك الغفلات .
« فأيُّما قلب أُشْرِبها - يعني قَبلَها - العود تلو العود - نُكتَتْ فيه نكتة سوداء ، وأيُّما قلب أنكرها نُكتَتْ فيه نكتة بيضاء ، حتى تكون
تفسير الشعراوي — صفحة 9563
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٥٦٣