وقوله تعالى : { وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا . . . } [ الأنبياء : 47 ] والخردل : مثال للصِّغَر ، للدلالة على استقصاء كل شيء ، ولا يزال الخردل هو المقياس العالمي للكيلو ، فقد وجدوا حَبَّ الخردل مُتَساوياً في الوزن ، فأخذوا منه وحدة الكيلو الآن ، وقد أتى بها القرآن منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان .
ومعنى : { أَتَيْنَا بِهَا . . . } [ الأنبياء : 47 ] أي : لهم أو عليهم ، فإنْ كانت لهم علموا أنَّ الله لا يظلمهم ، ويبحث لهم عن أقلِّ القليل من الخير ، وإنْ كانت عليهم علموا أن الله يستقصي كل شيء في الحساب ، وحَبّة الخردل تدل على صِغَرها على الجحم ، وكلمة مثقال تدل على الوزن ، فجمع فيها الحجم والوزن .
ثم يُعقِّب سبحانه على هذه المسألة : { وكفى بِنَا حَاسِبِينَ } [ الأنبياء : 47 ] فلا أحد يُجيد هذه المسألة ويُدقِّقها كما نفعل نحن ، فليست عندنا غفلة بل دِقَّة وضبَطْ لمعايير الحساب .
ولا تظن أن مسألة الحساب والميزان مسألة سهلة يمكن أن تصل فيها إلى الدقة الكاملة مهما أخذتَ من وسائل الحيطة ، فأنت بشر لا تستطيع أنْ تزِنَ الوزن المضبوط ؛ لأن المعيار الحديد الذي تزن به عُرْضة في استعماله للزيادة أو النقصان .
فقد يتراكم عليه الغبار ويقع عليه مثلاً نقطة زيت ، وبمرور الوقت يزيد المعيار ولو شيئاً ضيئلاً ، وهذا في صالح الموزون له ، وقد يحدث العكس فينقص الميزان نتيجة الملامسة للأشياء ، ولك أن تنظر مثلاً إلى ( أكرة ) الباب تراها لامعةً على خلاف ما حولها . إذن : أي ملامسة أو احتكاك للأشياء يُنقصها .
حتى في الموازين الحديثة التي تضمن لك أقصى درجات الدقة
تفسير الشعراوي — صفحة 9558
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٥٥٨