أي : أن رسول الله ما أبلغكم بشيء من عند نفسه ، إنما كل ما جاء به من وعد ووعيد فهو من عند الله ، وأنتم أنفسكم تؤكدون على بشريته ، نعم هو بشر لا يعلم شيئاً كما تقولون ، وهذه تُحسَب له لا عليه ، إنما ربه يوحي إليه .
فلو قال محمد : إنما أنذركم . . لكان لكم حق أنْ تتشكَّكوا ، إنما القائل هو الله ، وأنا مجرد مُبلِّغ عن الله الذي يملك أعِنَّة الأحداث ، فإذا قال بوجود حدث فلا بُدَّ أنْ يقع .
ثم يقول تعالى : { وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ } [ الأنبياء : 45 ]
وحاسّة السمع هي أول معلوميات الإنسان ، وأول حواسه عملاً ، وقبل أن يتكلم الطفل لا بُدَّ أنْ يسمع أولاً ، لينطق ما سمعه ؛ لأن السمع هو الإدراك الأول المصاحب لتكوين الإدراكات ، والأذن - كما قلنا - تسبق العين في أداء مهمتها .
لذلك قدّمه الحق سبحانه ، فقال : { إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [ الإسراء : 36 ] .
والسمع هو الآلة التي لا تتعطّل عن مهمتها ، حتى ولو كان الإنسان نائماً ؛ لأن به يتم الاستدعاء ؛ لذلك لما أراد الحق سبحانه أنْ يُنيم أهل الكهف هذه المدة الطويلة ضرب على آذانهم ، وعطّل عندهم حاسة السمع حتى لا تُزعجهم أصوات الطبيعة خارج الغار ، فقال : { فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَداً } [ الكهف : 11 ] .
ومعنى : { وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعاء . . . } [ الأنبياء : 45 ] صحيح أنهم يسمعون ، وآلة السمع عندهم صالحة للعمل ، إلا أنه سماعٌ لا فائدة
تفسير الشعراوي — صفحة 9550
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٥٥٠