كثيرون منهم كانوا يُحرِّمون الخمر ولا يشربونها ، هكذا بالفطرة ، وكثيرون كانوا لا يسجدون للأصنام ، إذن : الفطرة السليمة قد تهتدي إلى الحق ، ولا تتعارض ومنهجَ الله .
أو : يكون معنى { ذِكْرُكُمْ . . . } [ الأنبياء : 10 ] شرفكم وصيْتكم ومكانتكم ونباهة شأنكم بين الأمم ؛ لأن القرآن الذي نزل للدنيا كلها نزل بلغتكم ، فكأن الله تعالى يثني عقول الناس جميعاً ، ويثني قلوبهم للغتكم ، ويحثّهم على تعلّمها ومعرفتها والحديث بها ونشرها في الناس ، فمَنْ لم يستطع ذلك ترجمها ، وأيُّ شرف بعد هذا ؟ !
وقوله تعالى : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [ الأنبياء : 10 ] أفلا تُعملِون عقولكم وتتأملون أن خيركم في هذا القرآن ، فإنْ كنتم تريدون خُلقاً وديناً ففي القرآن ، وإنْ كنتم تريدون شرفاً وسُمعة وصيتاً ففي القرآن ، وأيُّ شرف بعد أن يقول الناس : النبي عربي ، والقرآن عربي ؟
ثم يقول الحق سبحانه : { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ } .
قصمنا : القَصْم هو الكَسْر الذي لا جَبْرَ فيه ، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يضع أمام أعينهم القُرَى المكذِّبة الظالمة ، ليأخذوا منها عِبْرة وعِظَة ، فليس بِدَعاً أنْ نقصم ظهور المكذِّبين ، بل لها سوابق كثيرة في التاريخ .
تفسير الشعراوي — صفحة 9491
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٤٩١