قوله : { جَنَّاتِ عَدْنٍ } [ مريم : 61 ] أي : إقامة دائمة ؛ لأنك قد تجد في الدنيا جنات ، وتجد أسباب النعيم ، لكنه نعيم زائل ، إمّا أنْ تتركه أو يتركك . إذن : فكُلُّ نعيم الدنيا لا ضامنَ له .
وجنات عَدْن ليست هي مساكن أهل الجنة ، بل هي بساتين عمومية يتمتع بها الجميع ، بدليل أن الله تعالى عطف عليها في آية أخرى ( وَمَسَاكِنَ طَيِّبةً ) في قوله تعالى : { وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ } [ التوبة : 72 ] .
وقوله : { التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب } [ مريم : 61 ] والوعْد : إخبار بخير قبل أوانه ؛ ليشجع الموعود على العمل لينالَ هذا الخير ، وضِدّه الوعيد : إخبار بشَرٍّ قبل أوانه ليحذره المتوعد ، ويتفادى الوقوع في أسبابه .
واختبار هنا اسم الرحمن ليُطمئِنَ الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي أن ربهم رحمن رحيم ، إنْ تابوا إليه قبلهم ، وإنْ وعدهم وَعْداً وَفَى . وقد وعدنا الله تعالى في قرآن فآمنّا بوعده غيْباً { وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب } [ مريم : 61 ] .
وحجة الإيمان بالغيب فيما لم يوجد بعد المشهد الذي نراه الآن ، فالكون الذي نشاهده قد خُلِق على هيئة مُهندسةٍ هندسةً لا يوجد أبدعُ منها ، فالذي خلق لنا هذا الكون العجيب المتناسق إذا أخبرنا عن نعيم آخر دائم في الآخرة ، فلا بُدَّ أن نُصدِّق ، ونأخذ من المشاهدَ لنا دليلاً على ما غاب عَنَّا ؛ لذلك نؤمن بالآخرة إيماناً غيبياً ثقةً مِنَّا في قدرته تعالى التي رأينا طَرَفاً منها في الدنيا .
تفسير الشعراوي — صفحة 9136
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩١٣٦