واكتشف هذه المادة ومزجها بمواد أخرى لصهرها وإذابتها واحتاجت صناعة الكوب إلى معامل وعلماء ، كل هذا من أجل الكوب الصغير الذي قد تستغنى عنه ، انظر ما يحتاجه لصنعه ؟ احتاج طاقات جالت في جميع مواد الأرض ، وإمكانات صناعية وأناسا يضعون معادلات كيماوية ، فما بالنا بالأشياء الأصلية وكم تحتاج ؟
إن كل صنعة تحتاج على قدرها ، ولم يقل أحد : إنني صنعتها ، فيقول الحق :
من الذي صنع كل هذا ؟ وساعة يطرح سؤالا فهو لا يريد أن يجعل القضية إخبارية منه ، وهو القادر أن يقول : أنا الذي خلق السماء والأرض ؟ فماذا يفعل المسؤول ؟
إنه يتخبط في إجابته ثم في النهاية لا يجد إلا اللّه .
وكأن السائل لا يطرح هذا السؤل إلا إذا وثق أن الإجابة لا تكون إلا على وفق ما يريد
« أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ »
وجاء هنا بالحاجة المباشرة . .
« فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ »
أي أنها تسرّ النظر بما فيها من خضرة ، ونضارة ، وطراوة ، وظل ، وأزهار ، وثمار ، ولم يختصر الأمر فيقول :
« لتأكلوا منها » لأن الذي يأكل هو الذي يملك فقط ، لكن جمال المنظر لا يحجزه أحد عن كل من يرى ، ويستمتع بما يراه . وكل منا عندما يرى بستانا جميلا يسره منظره ، صحيح أنك لا تمد يدك لتأكل منه لأنه ليس ملكك ، لكن هل يمنعك أحد أن تمتع به نظرك . وأن تمتع أنفك برائحته الجميلة ؟ لا .
وهكذا جاء الحق بالنعمة الشائعة لمن يملك ولمن لا يملك فقال :
« ذاتَ بَهْجَةٍ »
ونعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين يمتن بالأشياء يوضح لك : إياك أن تفهم أن الغرض من هذه المسألة أن تأكلها لتملأ بها بطنك فقط ؛ لأن هناك أشياء جميلة لا ننتفع بها أكلا ، فهناك ألوان من الشجر ليس له ثمرة لكن لا بد أن له عملا ؛ فورقه الجميل قد يفيد في الظل وما يشيعه من رائحة تعطر الجو ، وبه خشب نحتاج إليه ، وبجانب هذا نجد أشجارا لها ثمار جميلة ننتفع بها .
ولذلك يقول الحق :
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً