إن المشرع هو اللّه ، وهو رب الناس جميعا ، ولذلك فلا يوجد واحد من المؤمنين أولى باللّه من المؤمنين الآخرين . إن التكليف الإيمانى يمنع الظلم ، ويعيد الحق ، ويحمى ويصون للإنسان المال والعرض . ومن عادة الإنسان أن يجادل في حقوقه ويريدها كاملة ، ويحاول أن يقلل من واجباته ، ولكن الإنسان المؤمن هو الذي يعطى الواجب تماما فينال حقوقه تامة ، لذلك يقول الحق :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( 179 )
( سورة البقرة )
إن القصاص مكتوب على القاتل والمقتول وولى الدم . فإذا علم القاتل أن اللّه قد قرر القصاص فإن هذا يفرض عليه أن يسلم نفسه ، وعلى أهله ألا يخفوه بعيدا عن أعين الناس ؛ لأن القاتل عليه أن يتحمل مسؤولية ما فعل ، وحين يجد القاتل نفسه محوطا بمجتمع مؤمن يرفض القتل فإنه يرتدع ولا يقتل ، إذن ففي القصاص حياة ؛ لأن الذي يرغب في أن يقتل يمكنه أن يرتدع عندما يعرف أن هناك من سيقتص منه ، وأن هناك من لا يقبل المداراة عليه .
ونأتى بعد ذلك للذين يتشدقون ويقولون : إن القصاص وحشية وإهدار لآدمية الإنسان ، ونسألهم : لماذا أخذتكم الغيرة لأن إنسانا يقتص منه بحق وقد قتل غيره بالباطل ؟ ما الذي يحزنك عليه ؟
إن العقوبة حين شرعها اللّه لم يشرعها لتقع ، وإنما شرعها لتمنع . ونحن حين نقتص من القاتل نحمى سائر أفراد المجتمع من أن يوجد بينهم قاتل لا يحترم حياة الآخرين ، وفي الوقت نفسه نحمى هذا الفوضوى من نفسه ؛ لأنه سيفكر ألف مرة قبل أن يرتكب جريمة .
إذن فالقصاص من القاتل عبرة لغيره ، وحماية لسائر أفراد المجتمع ولذلك يقول الحق سبحانه :
« وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ »
. إن الحق يريد أن يحذرنا أن تأخذنا الأريحية الكاذبة ، والإنسانية الرعناء ، والعطف الأحمق ، فنقول : نمنع القصاص .