« زيد مجتهد » ، هذا إذا كنا نعلم زيدا ونجهل صفته ، فجعلنا زيدا مبتدأ ، ومجتهدا خبرا . لكن إذا كنا نعرف إنسانا مجتهدا ولا نعرف من هو ؛ فإننا نقول : « المجتهد زيد » .
إذن فمرة يكون الاسم معروفا لك فتلحق به الوصف ، ومرة تجهل الاسم وتعرف الوصف فتلحق الاسم بالوصف . وهذا سر اختلاف الرفع والنصب في كلمة « البر » في كل من الآيتين . ونقول للمستشرقين : إن لكل كلمة في القرآن ترتيبا ومعنى ، فلا تتناولوا القرآن بالجهل ، ثم تثيروا الإشكالات التي لا تقلل من قيمة الكتاب ولكنها تكشف جهلكم .
ثم ما هو « البر » ؟ قلنا : إن البر هو الشئ الحسن النافع . ولو ترك اللّه لنا تحديد « البر » لاختلفت قدرة كل منا على فهم الحسن والنافع باختلاف عقولنا ؛ فأنت ترى هذا « حسنا » ؛ وذاك يرى شيئا آخر ، وثالث يرى عكس ما تراه ، لذلك يخلع اللّه يدنا من بيان معنى البر ، ويحدد لنا سبحانه مواصفات الحسن النافع ، فما من واحد ينحرف ويميل إلى شئ إلا وهو يعتقد أنه هو الحسن النافع ، ولذلك يقول الحق :
« وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها »
.
إن هذا يدلنا على أن كل غاية لها طريق يوصل إليها ، فاذهب إلى الغاية من الطريق الذي يوصل إليها . ويتبع الحق قوله عن البر :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »
. لا تزال كلمة التقوى هي الشائعة في هذه السورة ، وكل حكم يعقبه السبب من تشريعه وهو التقوى .
ونعرف أن معنى التقوى هو أن تتقى معضلات الحياة ، ومشكلاتها بأن تلتزم منهج اللّه . وساعة ترى منهج اللّه وتطبقه فأنت اتقيت المشكلات ، أما من يعرض عن تقوى اللّه فإن الحق يقول عن مصيره :
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
( من الآية 144 سورة طه )