تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً
[ التوبة : 36 ] وقوله :
تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ
[ الفتح : 16 ] إلى غير ذلك من الآيات . واعلم : أن لبعض أهل العلم في بعض الآيات التي ذكرنا أقوالا غير ما ذكرنا . ولكن هذا التدريج الذي ذكرنا دل عليه استقراء القرآن في تشريع الأحكام الشاقة ، ونظيره شرب الخمر فإن تركه شاق على من اعتاده ، فلما أراد اللّه أن يحرم الخمر حرمها تدريجا . فذكر أولا بعض معائبها كقوله تعالى :
* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
[ البقرة : 219 ] ثم لما استأنست نفوسهم بأن في الخمر إنما أكثر مما فيها من النفع ، حرمها عليهم في أوقات الصلاة بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
[ النساء : 43 ] الآية . فكانوا بعد نزولها ، لا يشربونها إلا في وقت يزول فيه السكر قبل وقت الصلاة ، وذلك بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح لأن ما بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران عادة . وكذلك ما بين الصبح والظهر . وهذا تدريج من عيبها إلى تحريمها في بعض الأوقات . فلما استأنست نفوسهم بتحريمها حرمها عليهم تحريما عاما جازما بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[ المائدة : 90 ] إلى قوله :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
[ المائدة : 91 ] وكذلك الصوم ، فإنه لما كان الإمساك عن شهوة العرج والبطن شاقا على النفوس ، وأراد تعالى تشريعه شرعه تدريجا فخير أولا بين صوم اليوم وإطعام المسكين في قوله :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ
[ البقرة : 184 ] فلما استأنست النفوس به في الجملة ، أوجبه أيضا إيجابا عاما جازما بقوله :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
[ البقرة : 185 ] الآية وقال بعض أهل العلم : التدريج في تشريع الصوم على ثلاثة مراحل كما قبله قالوا : أوجب عليهم أولا صوما خفيفا لا مشقة فيه وهو صوم يوم عاشوراء وثلاثة من كل شهر ، ثم لما أراد فرض صوم رمضان شرعه تدريجا على المرحلتين اللتين ذكرناهما آنفا ، هكذا قالته جماعات من أهل العلم ، وله اتجاه والعلم عند اللّه تعالى . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
يشير إلى معنيين . أحدهما : أن فيه الإشارة إلى وعده للنبي وأصحابه ، بالنصر على أعدائهم كما قال قبله قريبا :
* إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا .
والمعنى الثاني : أن اللّه قادر على أن ينصر المسلمين على الكافرين من غير قتال لقدرته على إهلاكهم بما شاء ، ونصرة المسلمين عليهم بإهلاكه إياهم ، ولكنه شرع الجهاد لحكم منها اختبار الصادق في إيمانه ، وغير الصادق فيه ، ومنها تسهيل نيل فضل الشهادة في سبيل اللّه بقتل الكفار لشهداء المسلمين ، ولولا ذلك لما حصل أحد فضل الشهادة في سبيل اللّه . كما أشار تعالى إلى حكمة اختبار الصادق في إيمانه وغيره بالجهاد في آيات من كتابه ،