وأخرج أبو داود في ناسخه من وجه آخر عنه قال : أول آية نسخت من القرآن القبلة ، ثم الصيام الأول .
قال مكيّ « 1 » : وعلى هذا فلم يقع في المكيّ ناسخ . قال : وقد ذكر أنه وقع في آيات : منها قوله تعالى في سورة غافر :
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ غافر : 7 ] . فإنّه ناسخ لقوله :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ الشورى : 5 ] .
قلت : أحسن من هذه نسخ قيام الليل في أول سورة المزّمّل بآخرها ، أو بإيجاب الصلوات الخمس ، وذلك بمكّة اتفاقا .
تنبيه « 2 » : قال ابن الحصّار : إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو عن صحابيّ يقول : آية كذا نسخت كذا .
قال : وقد يحكم به عند وجود التّعارض المقطوع به من علم التاريخ ، ليعرف المتقدّم والمتأخر .
قال : ولا يعتمد في النسخ قول عوامّ المفسرين ، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح ، ولا معارضة بيّنة ؛ لأن النسخ يتضمّن رفع حكم وإثبات حكم تقرر في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمعتمد فيه النقل والتأريخ دون الرأي والاجتهاد .
قال : والناس في هذا بين طرفي نقيض ، فمن قائل : لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول ؛ ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسّر أو مجتهد . والصواب خلاف قولهما . انتهى .
الضرب الثالث : ما نسخ تلاوته دون حكمه : وقد أورد بعضهم « 3 » فيه سؤالا وهو : ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم ؟ وهلّا بقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها ؟
وأجاب صاحب الفنون « 4 » : بأنّ ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمّة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظنّ ، من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به ، فيسرعون بأيسر شيء ، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام ، والمنام أدنى طريق الوحي .
هامش
( 1 ) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 127 .
( 2 ) انظر مناهل العرفان 2 / 163 - 164 ، ونظرية النسخ ص 131 - 135 .
( 3 ) هو الزركشي في البرهان 2 / 37 .
( 4 ) هو ابن الجوزي في كتابه « فنون الأفنان » ، ونقله في البرهان 2 / 37 ، وانظر مناهل العرفان 2 / 153 - 154 .