حفظته ، فكتبوه كما سمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غير أن قدّموا شيئا أو أخّروا ، أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يلقّن أصحابه ويعلّمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا ، بتوقيف جبريل إيّاه على ذلك ، وإعلامه عند نزول كلّ آية : أنّ هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا ، فثبت أنّ سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه ، فإنّ القرآن مكتوب في اللّوح المحفوظ على هذا الترتيب ، أنزله اللّه جملة إلى السماء الدنيا ، ثم كان ينزله مفرّقا عند الحاجة ، وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة .
وقال ابن الحصّار : ترتيب السّور ووضع الآيات مواضعها إنّما كان بالوحي ، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ضعوا آية كذا في موضع كذا » « 1 » وقد حصل اليقين من النّقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وممّا أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف .
فصل [ حكم ترتيب السور ]
« 2 » وأمّا ترتيب السور : فهل هو توقيفي أيضا ، أو هو باجتهاد من الصحابة ؟ خلاف :
فجمهور العلماء على الثاني ، منهم مالك ، والقاضي أبو بكر في أحد قوليه .
قال ابن فارس « 3 » : جمع القرآن على ضربين :
أحدهما : تأليف السّور ، كتقديم السّبع الطوال وتعقيبها بالمئين ، فهذا هو الذي تولّته الصحابة .
وأما الجمع الآخر : وهو جمع الآيات في السور ، فهو توقيفي تولّاه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما أخبر به جبريل عن أمر ربّه .
ومما استدلّ به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور : فمنهم من رتّبها على النزول ، وهو مصحف عليّ ، كان أوّله : اقرأ ، ثمّ المدثر ، ثم ن ، ثمّ المزّمل ، ثم تبّت ، ثم التكوير ، وهكذا إلى آخر المكيّ والمدنيّ .
وكان أوّل مصحف ابن مسعود البقرة ، ثم النساء ، ثم آل عمران ، على اختلاف شديد .
وكذا مصحف أبيّ وغيره .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه قريبا .
( 2 ) انظر في هذه المسألة البرهان 1 / 257 - 262 ، ولطائف الإشارات ص 30 - 31 ، والمناهل 1 / 274 - 293 .
( 3 ) نقله في البرهان 1 / 258 - 259 عن أبي الحسين أحمد بن فارس في كتاب « المسائل الخمس » .