كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرّقا في الرقاع والأكتاف والعسب ، فإنّما أمر الصّدّيق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا ، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيها القرآن منتشر ، فجمعها جامع ، وربطها بخيط ، حتى لا يضيع منها شيء .
قال : فإن قيل : كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال ؟
قيل : لأنّهم كانوا يبدون عن تأليف معجز ، ونظم معروف ، قد شاهدوا تلاوته من النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عشرين سنة ، فكان تزوير ما ليس منه مأمونا ، وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحفه .
وقد تقدّم في حديث زيد أنه جمع القرآن من العسب واللّخاف ، وفي رواية : الرقاع ، وفي أخرى : وقطع الأديم ، وفي أخرى : والأكتاف ، وفي أخرى : والأضلاع ، وفي أخرى :
والأفتاب « 1 » .
فالعسب : جمع عسيب وهو جريد النخل ، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض .
واللّخاف : بكسر اللام وبخاء معجمة خفيفة ، آخره فاء : جمع لخفة . فتح اللام وسكون الخاء . وهي الحجارة الدقاق ، وقال الخطابي : صفائح الحجارة .
والرّقاع : جمع رقعة ، وقد تكون من جلد أو رق أو كاغد .
والأكتاف : جمع كتف ، وهو العظم الذي للبعير أو الشاة ، كانوا إذا جفّ كتبوا عليه .
والأقتاب : جمع قتب ، هو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه .
وفي موطّأ ابن وهب : عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد اللّه بن عمر ، قال :
جمع أبو بكر القرآن في قراطيس ، وكان سأل زيد بن ثابت في ذلك فأبى ، حتى استعان بعمر ، ففعل .
وفي مغازي موسى بن عقبة : عن ابن شهاب قال : لمّا أصيب المسلمون باليمامة ، فزع أبو بكر ، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة ، فأقبل النّاس بما كان معهم وعندهم ، حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق ، فكان أبو بكر أوّل من جمع القرآن في الصحف « 2 » .
قال ابن حجر « 3 » : ووقع في رواية عمارة بن غزيّة : أنّ زيد بن ثابت قال : فأمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأديم والعسب ، فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتبت ذلك في صحيفة واحدة ، فكانت عنده .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه قريبا .
( 2 ) انظر فتح الباري 9 / 16 ، ولطائف الإشارات 1 / 57 .
( 3 ) في فتح الباري 9 / 16 .