قلت : أجيب عن ذلك بأنه لا يخفى عليه أنّ اللفظ أعمّ من السبب ، لكنه بيّن أنّ المراد باللفظ خاصّ ، ونظيره : تفسير النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الظّلم في قوله تعالى :
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ الأنعام : 82 ] بالشرك من قوله :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] مع فهم الصحابة العموم في كلّ ظلم .
وقد ورد عن ابن عباس ما يدلّ على اعتبار العموم ، فإنّه قال به في آية السرقة ، مع أنها نزلت في امرأة سرقت . قال ابن أبي حاتم : حدّثنا عليّ بن الحسين ، حدّثنا محمد بن أبي حمّاد ، حدّثنا أبو ثميلة بن عبد المؤمن ، عن نجدة الحنفي ، قال : سألت ابن عباس عن قوله :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
[ المائدة : 38 ] . أخاصّ أم عام ؟ قال : بل عامّ .
وقال ابن تيميّة « 1 » : قد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم : هذه الآية نزلت في كذا ، لا سيّما إن كان المذكور شخصا ، كقولهم : إنّ آية الظّهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس . وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد اللّه ، وإن قوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ
[ المائدة : 49 ] نزلت في بني قريظة والنّضير ، ونظائر ذلك مما يذكرون أنّه نزل في قوم من المشركين بمكة ، أو في قوم من اليهود والنصارى ، أو في قوم من المؤمنين . فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أنّ حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم ، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق ، والناس وإن تنازعوا في اللّفظ العامّ الوارد على سبب : هل يختصّ بسببه ؟ فلم يقل أحد : إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعيّن ، وإنما غاية ما يقال : إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعمّ ما يشبهه ، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ ، والآية التي لها سبب معيّن : إن كانت أمرا ونهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته ، وإن كانت خبرا بمدح أو ذمّ ، فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته . انتهى .
تنبيه : قد علمت مما ذكر : أن فرض المسألة في لفظ له عموم ، أمّا آية نزلت في معيّن ولا عموم للفظها ، فإنّها تقصر عليه قطعا ، كقوله تعالى :
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى
( 18 ) [ الليل : 17 . 18 ] فإنّها نزلت في أبي بكر الصدّيق بالإجماع ؛ وقد استدل بها الإمام فخر الدين الرازي مع قوله :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] على أنه أفضل النّاس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
ووهم من ظنّ أنّ الآية عامّة في كلّ من عمل عمله ، إجراء له على القاعدة ؛ وهذا غلط ؛ فإنّ هذه الآية ليس فيها صيغة عموم ، إذ الألف واللّام إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرفة في جمع ، زاد قوم : أو مفرد ، بشرط ألّا يكون هناك عهد . واللّام في
هامش
( 1 ) في مقدمته لأصول التفسير ص 71 . 72 .