المسألة الثانية : اختلف أهل الأصول : هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السّبب ؟
والأصحّ عندنا : الأوّل ، وقد نزلت آيات في أسباب ، واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها ، كنزول آية الظّهار في سلمة بن صخر ، وآية اللّعان في شأن هلال بن أميّة ، وحدّ القذف في رماة عائشة ، ثم تعدّى إلى غيرهم . ومن لم يعتبر عموم اللفظ قال : خرجت هذه الآيات ونحوها لدليل آخر ، كما قصرت آيات على أسبابها اتفاقا لدليل قام على ذلك . قال الزمخشريّ « 2 » في سورة الهمزة : يجوز أن يكون السّبب خاصا والوعيد عامّا ، ليتناول كلّ من باشر ذلك القبيح ؛ وليكون ذلك جاريا مجرى التعريض . قلت : ومن الأدلّة على اعتبار عموم اللفظ : احتجاج الصحابة وغيرهم في وقائع بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة ، شائعا ذائعا بينهم . قال ابن جرير « 3 » : حدّثني محمد بن أبي معشر ، أخبرنا أبي أبو معشر نجيح ، سمعت سعيدا المقبريّ يذاكر محمد بن كعب القرظيّ ، فقال سعيد : إنّ في بعض كتب اللّه : إنّ لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمرّ من الصّبر ، لبسوا لباس مسوك الضأن من الليّن ، يجترّون الدنيا بالدين . فقال محمد بن كعب : هذا في كتاب اللّه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية [ البقرة : 204 ] . فقال سعيد : قد عرفت فيمن أنزلت ؟ فقال محمد بن كعب : إنّ الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد . فإن قلت : فهذا ابن عباس ، لم يعتبر عموم : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ الآية . [ آل عمران : 188 ] . بل قصرها على ما أنزلت عليه من قصّة أهل الكتاب .