وقد ثبت أن الدواب ليست في ضلال مبين ، لأنها تعلم وتؤمن بوحدانية اللّه ، كما جاء في هدهد سليمان ، أنكر على بلقيس وقومها سجودهم للشمس والقمر من دون اللّه .
ونص مالك في الموطأ في فضل يوم الجمعة « أنه وما من دابة إلا تصيخ بأذنها من فجر يوم الجمعة إلى طلوع الشمس خشية الساعة » « 1 » ، وهذا كله ليس عند الكافر منه شيء ، ثم في الآخرة لما يجمع اللّه جميع الدواب ويقتص للعجماء من القرناء ، فيقول لها : كوني ترابا ، فيتمنى الكافر لو كان مثلها فلم يحصل له « 2 » ، كما قال :
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[ النبأ : 40 ] .
وذلك واللّه تعالى أعلم : أن الدواب لم تعمل خيرا فتبقى لتجازى عليه ، ولم تعمل شرا لتعاقب عليه فكانت لا لها ولا عليها إلا ما كان فيما بينها وبين بعضها ، فلما اقتص لها من بعضها انتهى أمرها ، فكانت نهايتها عودتها إلى منبتها وهو التراب . بخلاف الكافر فإن عليه حساب التكاليف وعقاب المخالفة فيعاقب بالخلود في النار ، فكان شر البرية .
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 )
.
الحكم هنا بالعموم ، كالحكم هناك . ولكنه هنا بالخيرية والتفضيل .
أما من حيث الجنس فلا إشكال ، لأن الإنسان أفضل الأجناس
* وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
[ الإسراء : 70 ] .
وأما من حيث العموم ، فقال بعض العلماء فيها ما يدل على صالح المؤمنين أفضل من الملائكة .
ولعل مما يقوي هذا الاستدلال ، هو أن بعض أفراد جنس الإنسان أفضل من عموم أفراد جنس الملائكة ، وهو الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا فضل بعض أفراد الجنس لا يمنع في البعض الآخر ولكن هل بعض أفراد الأمة بعده أفضل من عموم أو بعض أفراد الملائكة ؟ هذا هو محل الخلاف .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثامن .
( 2 ) أخرجه عن عثمان : أحمد في المسند 1 / 72 ، وأخرجه عن أبي هريرة : أحمد في المسند 2 / 235 ، 323 ، 363 .