ولذا جاء في السنة : ذم العائل المتكبر ، لأنه مع فقره يرى نفسه استغنى ، فهو معنى في نفسه لا بسبب غناه .
أما من خارج الآية ، فقد دل على هذا المعنى قوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : 37 - 39 ] ، فإيثار الحياة الدنيا هو موجب الطغيان ، وكما في قوله :
الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ ( 2 ) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ ( 3 ) كَلَّا
[ الهمزة : 2 - 4 ] الآية .
ومفهومه : أن من لم يؤثر الحياة الدنيا ، ولم يحسب أن ماله أخلده ، لن يطغيه ماله ولا غناه ، كما جاء في قصة النفر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع من بني إسرائيل .
وقد نص القرآن على أوسع غنى في الدنيا في نبي اللّه سليمان ، آتاه اللّه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، ومع هذا قال :
إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ( 32 ) رُدُّوها عَلَيَّ
[ ص : 32 - 33 ] الآية .
وقصة الصحابي الموجودة في الموطأ : لما شغل ببستانه في الصلاة ، حين رأى الطائر لا يجد فرجة من الأغصان ، ينفذ منه ، فجاء إلى النّبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : « يا رسول اللّه : إني فتنت ببستاني في صلاتي ، فهو في سبيل اللّه » « 1 » فعرفنا أن الغنى وحده ليس موجبا للطغيان ، ولكن إذا صحبه إيثار الحياة الدنيا على الآخرة ، وقد يكون طغيان النفس من لوازمها لو لم يكن غنى . إن النفس لأمارة بالسوء . وأنه لا يقي منه إلا التهذيب بالدين كما قال تعالى :
* وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ
[ الشورى : 27 ] الآية .
وقد ذكر عن فرعون تحقيق ذلك حين قال :
أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ الزخرف : 51 ] ، وكذلك قال قارون
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
[ القصص : 78 ] ، وقال : ثالث الثلاثة من بني إسرائيل « إنما ورثته كابرا عن كابر بخلاف المسلم » إلى آخره . فلا يزيده غناه إلا تواضعا وشكرا للنعمة ، كما قال نبي اللّه سليمان
قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ
هامش
( 1 ) أخرجه مالك في الصلاة حديث 69 .