وهذا هو قسيم القسم الأول في بيان حال أهل الجنة ، ولم يعطف بالواو إيذانا بكمال تباين مضمونيهما . ويومئذ : هو يوم الغاشية المتقدم ، وهذا يقتضي أن الغاشية عامة في الفريقين . وإن اختلفت أحوالها مع مختلف الناس ، وعليه فمنهم من تغشاه بهولها ، ومنهم من تغشاه بنعيمها . وهي بالنسبة لكل منهما متناهية فيما تغشاهم به ، وهي صادقة على الفريقين .
ومعلوم أن الغاشية تطلق على الخير كما تطلق على الشر ، بمعنى الشمول والإحاطة التامة . ومن إطلاقها على الخير ما جاء في الحديث : « ما جلس قوم مجلسا يذكرون اللّه تعالى فيه إلّا حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ، وذكرهم اللّه فيمن عنده » أخرجه مسلم « 1 » .
وبيان ذلك وتحقيقه في حق كلا القسمين كالآتي :
أما الأول منهما : وهو الغاشية في حق أهل النار فقد غشيهم العذاب حسا ومعنى ظاهرا وباطنا أو لا خشوع في ذلة ، وهي ناحية نفسية ، وهي أثقل أحيانا من الناحية المادية ، فقد يختار بعض الناس الموت عنها ، ثم مع الذلة العمل والنصب حسا وبدنا ، ومع النصب الشديد تصلى نارا حامية ، وكان يكفي تصلى نارا . ولكن إتباعها بوصفها حامية فهو زيادة في إبراز عذابهم وزيادة في غشيان العذاب لهم ، ثم يسقون من عين آنية متناهية في الحرارة فيكونون بين نار حامية من الخارج وحميم من الداخل تصهر منه البطون ، فهو أتم في الشمول للغاشية لهم من جميع الوجوه ، وفي حق القسم المقابل تعميم كامل وسرور شامل كالآتي ، وجوه ناعمة مكتملة النعمة ، تعرف في وجوههم نضرة النعيم .
وهذا في شموله من الناحية المعنوية كمقابلة في القسم الأول بدلا من خاشعة في ذلة ناعمة في نضرة لسعيها راضية الذي سعته في الدنيا ، والذي تسعى لتحصيله أو ثوابه في جنة عالية بدلا من عمل ونصب ، لا تسمع فيها لاغية : منزلة أدبية رفيعة حيث لا تسمع فيها كلمة لغو ولا يليق بها ، فهو إكرام لهم حتى في الكلمة التي يسمعونها ، كما في قوله :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً
[ الواقعة : 25 - 26 ] .
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ
. ومعلوم أنها عيون وأنهار تجري ، كقوله :
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
[ الحجر : 45 والدخان : 52 ] ، ومن لوازم العيون والأنهار ، هو
هامش
( 1 ) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار حديث 39 .