الشاعر :
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا تقطر الدما
وتقول في الوصف : أصبح جرحه داميا ، ومنه قول الراجز :
نردّ أولالها على أخراها * نردّها دامية كلاها
والتحقيق أن لامه أصلها ياء ، وقيل : أصلها واو وإنما أبدلت ياء في الماضي لتطرفها بعد الكسر ، كما في قوي ورضي وشجي التي هي واويّات اللام في الأصل ؛ لأنها من الرضوان والقوة والشجو .
وقال بعضهم : الأصل فيه دمي بفتح الميم ، وقيل بإسكانها ، واللّه تعالى أعلم .
قوله تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
[ 173 ] .
لم يبين هنا سبب اضطراره ، ولم يبين المراد بالباغي والعادي ، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب الاضطرار المذكور المخمصة ، وهي الجوع ، وهو قوله :
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ
[ المائدة : 3 ] ، وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم ، وذلك في قوله :
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ
[ المائدة : 3 ] ، والمتجانف المائل ، ومنه قول الأعشى :
تجانف عن حجر اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا
فيفهم من الآية أن الباغي والعادي ، كلاهما متجانف لإثم ، وهذا غاية ما يفهم منها .
وقال بعض العلماء : الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام المسلمين ، وكثيرا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام ، والإثم الذي تجانف إليه العادي هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين ، ويلحق بذلك كل سفر في معصية اللّه . اه .
وقال بعض العلماء : إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره ، وعليه فهو كالتأكيد لقوله :
فَمَنِ اضْطُرَّ .
وعلى القول الأول لا يجوز لقاطع الطريق والخارج على الإمام ، الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك ، ما لم يتوبا ، وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك ، وإن لم يتوبا .
ونقل القرطبي عن قتادة ، والحسن ، والربيع ، وابن زيد ، وعكرمة ، أن المعنى : غير باغ ، أي : في أكله فوق حاجته ، ولا عاد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ، ويأكلها .
ونقل أيضا عن السدي أن المعنى غير باغ في أكلها شهوة وتلذذا ، ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع .