بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وأشهد أن لا إله إلا اللّه ، وحده لا شريك له ، إله الأولين والآخرين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذي اصطفاه وجعله سيد ولد آدم أجمعين .
الحمد للّه الذي أنزل على خاتم الرسل والأنبياء أكمل كتاب ، فكشف به ظلمات الجهل وأسباب العذاب ، وأماط به عن نفائس العلوم وذخائرها الحجاب ، وكشف به عن حقائق الدين وأسراره ومحاسنه النقاب ، وأخلص به العبادة للعزيز الوهاب ، وفتح به لنيل مآرب الدارين الباب ، وأغلق باتباعه والعمل به دون الشر جميع الأبواب ، تحيى بوابل علومه القلوب النيّرة أعظم مما تحيى الأرض بوابل السحاب ، يتميز بتدبّر آياته الخطأ من الصواب ، والقشور من اللباب ، وتجلّ ألفاظه ومعانيه وأحكامه وأخباره عن الوصمة والعاب
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
[ ص : 29 ] وعد اللّه متبعه ما هو خير وأبقى ، وقال فيه :
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى
[ طه : 123 ] .
وأوعد المعرضين عنه من جميع الأحزاب النار ، قال :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ
[ هود : 17 ] وهو عام للكفار ، وشبه بالحمر المعرضين عنه من الكفرة ، قال :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ
[ المدثر : 49 - 50 ] فيكفي المعرض عنه أنه حمار ، وأنه من حمير النار .
وبيّن تعالى أن المعرض عنه يحمل يوم القيامة ما لا يستطيع له حملا ، قال :
وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً ( 99 ) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً ( 100 ) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا
( 101 ) طه : 99 - 101 ] . فتح اللّه تعالى به قلوبا غلفا ، وأعينا عميا ، وآذانا صما ، وقال فيه :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
طه : 124 ] . لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على طول التكرار ، ما تعاقب الليل والنهار ، رفع اللّه تعالى به قوما ووضع به آخرين ، وقال :
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
لقلم : 44 - 45 ] . وهو اخر الكتب السماوية عهدا برب العالمين ، فكل الشر في الإعراض عنه ، وكل الخير في الإقبال عليه ، فطوبى لمن كان حجة له ، وويل