قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
[ 174 ]
المراد بهذا النور المبين القرآن العظيم ؛ لأنه يزيل ظلمات الجهل والشك كما يزيل النور الحسي ظلمة الليل ، وقد أوضح تعالى ذلك بقوله :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً
[ الشورى : 52 ] الآية وقوله :
وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ
[ الأعراف : 157 ] ونحو ذلك من الآيات .
قوله تعالى :
فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ
[ 176 ] الآية .
صرح في هذه الآية الكريمة بأن الأختين يرثان الثلثين ، والمراد بهما الأختان لغير أم ، بأن تكونا شقيقتين أو لأب بإجماع العلماء ، ولم يبين هنا ميراث الثلاث من الأخوات فصاعدا ، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن الأخوات لا يزدن على الثلثين ، ولو بلغ عددهن ما بلغ وهو قوله تعالى في البنات :
فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ
[ النساء : 11 ] ومعلوم أن البنات أمس رحما وأقوى سببا في الميراث من الأخوات ، فإذا كن لا يزدن على الثلثين ولو كثرن فكذلك الأخوات من باب أولى ، وأكثر علماء الأصول على أن فحوى الخطاب أعني : مفهوم الموافقة : الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق ، من قبيل دلالة اللفظ ، لا من قبيل القياس ، خلافا للشافعي وقوم ، وكذلك المساوي على التحقيق فقوله تعالى :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
[ الإسراء : 23 ] يفهم منه من باب أولى حرمة ضربهما وقوله :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
( 7 ) [ الزلزلة : 7 ] الآية . يفهم منه من باب أولى أن من عمل مثقال جبل يراه من خير وشر وقوله :
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
[ الطلاق :
2 ] يفهم منه من باب أولى قبول شهادة الثلاثة والأربعة مثلا من العدول ، ونهيه صلّى اللّه عليه وسلم عن التضحية بالعوراء « 1 » ، يفهم منه من باب أولى النهي عن التضحية بالعمياء ، وكذلك في المساوي ، فتحريم أكل مال اليتيم يفهم منه بالمساواة منع إحراقه وإغراقه ، ونهيه صلى اللّه عليه وسلم عن البول في الماء الراكد « 2 » ، يفهم منه كذلك أيضا النهي عن البول في إناء وصبه فيه ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من أعتق شركا له في عبد » « 3 » الحديث . يفهم منه كذلك أن الأمة كذلك ، ولا نزاع في هذا عند جماهير العلماء وإنما خالف فيه بعض الظاهرية .
ومعلوم أن خلافهم في مثل هذا ، لا أثر له ، وبذلك تعلم أنه تعالى لما صرح بأن
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) أخرجه عن جابر بن عبد اللّه : مسلم في الطهارة حديث 94 ، والنسائي في الطهارة باب النهي عن البول في الماء الراكد .
( 3 ) أخرجه البخاري في الشركة باب 5 و 14 ومسلم في العتق باب 1 ، والنسائي في البيوع باب الشركة بغير مال وباب الشركة في الرقيق ، وابن ماجة في العتق حديث 2528 .